إن ما آل إليه مجتمعنا العربي مؤخراً من تدهور فكري وانحدار أخلاقي وتدنٍّ ثقافي وتطرف ديني بات أمراً يستدعي الدراسة والتحليل، بل ويتطلب مراقبة واعية وحكيمة لرصد ما كان عليه مجتمعنا العربي سابقاً وما آل إليه حاضراً، ووضع منهج حكيم للتصدي للفتن والتقسيمات الطائفية التي أصبحت ذات أثرٍ فعَالٍ ونافذٍ على عقول أولادنا وشبابنا، وهو أمر يهدد وبشدة مسار الاستقرار والتنمية الذي تتبعه دولة الإمارات وتدعم القائمين على تعزيزه.
إن التطرف وسياسة التفكك يلعبان دوراً رئيساً في انهيار الدول ونشر الفتن والعداوة بين شعوبها، وبالتالي لابد من أن يكون هناك منهج واعٍ ومعتدل للحد من المخاطر التي قد تتعرض لها الشعوب جراء الفتاوى والمبالغات غير المبررة.
لا شك أننا جميعًا نحرص على تربية أولادنا على قواعد دينية سليمة، ولكن علينا أيضاً أن ننتقي المنهج الديني الذي يتم تلقينه لأولادنا، سواءً كان في المسجد، المدرسة، المنزل أو في الشارع، لما له من أثر في تكوين الفكر الإنساني والوعي الوجداني للشاب منذ نعومة أظفاره. فإذا كان المنهج خاطئاً أو مشوباً بالعنصرية أو الطائفية، فإنه يترتب عليه فكراً مشوشاً وعقيدةً ملوثةً..
ولا يكون هناك مفر من مواجهة نتيجتين مأساويتين، وهما إما؛ (أ) التطرف أو (ب) الانحراف. وبالتالي، لا يكون هناك مجال للشاب حينها لاعتناق مبدأ «الاعتدال»، الذي طالما أدى بمنهجيته إلى سلامة النفس والروح.
قال الله سبحانه وتعالى «ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ». إن ما نراه الآن في المساجد وعلى المنابر في بعض الدول العربية والإسلامية أصبح دعوةً صريحةً للجهاد في سبيل الله دون حكمة أو حجة، ولقد أصبح من لا يرتدي قناع الجهاد ضد العدو «المجهول» خارجاً عن الإطار الديني السليم..
ومن يناقش أو يجادل ليعي ويفهم أصول دينه، لا يجد لسؤاله مجيباً، بل وقد يُنعت بـــ «الملحد» أو «الزنديق» أو «الكافر». فأي فكر شاب أو نفس شابة تتلقى مثل هذا النوع من «الإرهاب الديني» ولا تتعرض للتطرف أو الانحراف؟! وأي منهما يكون معتدلاً في ظل هذا الترهيب والتضليل؟!
من المتفق عليه أن «الفقه» هو العلم بالأحكام الشرعية العملية بالاستدلال و«الفقيه» هو العالم بها، أي لابد من الاستدلال لإثبات صحة الحكم الشرعي، ومن دون الإثبات لا يجوز الجزم بالحكم أو تحريفه. فإن التحجر والتشدد غير المسبوق بحجة أو دليل يؤدي حتماً بالمُلَقَن إلى التساؤل، كما وأن العبوس في وجه المتسائل لمجرد عدم توافر الرد ينعكس بدوره على النفس الباحثة عن الطريق الصحيح للهداية، مما يعد إرهاباً يتبعه خوف.
إن الفهم الخاطئ والمتطرف لتعاليم ديننا الحنيف أدى بنا وسيؤدي بأولادنا أسفاً إلى ما لا نحمد عقباه، وإن كان علماؤنا أو فقهاؤنا يرون في الاعتدال والاستدلال جرماً محرماً وإثماً مستنفراً، فعليهم أن يعلموا أن ما يزرعونه في نفوس أولادنا اليوم سيجنوه دماراً وخراباً في المستقبل.
فلقد جاءت الشريعة الإسلامية باليسر والتيسير، ولم تأت بالشدة والتعسير، فلا إرهاق في تكاليفها، ولا إذلال لاتباعها، ولا تضييق على معتنقيها ولا إعسار على المتمسكين بها، بل هو التوسط والاعتدال، كما قال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً }[البقرة:2/143]، وفي الحديث عَنْ أَبِي سَعِيدٍ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي قَوْلِهِ: {وَكَذَلكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً}.
ولقد تأكدت هذه المعاني العظيمة في أصول الشرع وفروعه، وقواعد الدين وجزئياته، وجاءت الآيات الكريمة لتبين ضرورة التوازن بين رغبات الدنيا ومطالب الآخرة، وحتمية الاعتدال الوسطى، قال سبحانه: {وَابْتَغِ فِيمَا ءَاتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ، وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا، وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ، وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ، إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ } [القصص:28/77].
ومن المؤسِف أن يظهر في العالم الإسلامي، وداخل المجتمعات المسلمة أناس يلتزمون بالمغالاة، ويتمسكون بالتشديد، كما تظهر فئة أخرى يأخذون جانب التقصير والتهاون، ويرفعون شعار التساهل والترخص.
والمطلب الشرعي هو سلوك طريق الوسطية والاعتدال، الذي أراد الله سبحانه وتعالى من الإنسان أن يسلكها، فهو سبحانه خلق الإنسان ويعلم طبيعته وتكوينه، وفطرته وجبلته، وأودع فيه الميول والغرائز.إن اتباع علمائنا وفقهائنا لمنهج ديني معتدل والاستدلال قبل التبليغ والحجة في الإقناع والتوجيه هو المنهج الأمثل للحد من الانحراف الفكري والتطرف الديني الذي يتعرض له شبابنا اليوم ويرتكب بموجبه أفظع الأعمال والانتهاكات الغير مبررة في حق نفسه وفي حق المجتمع على قدم من المساواة.
بناءً عليه وانطلاقاً من حرصي الشديد على مصلحة الوطن وللحفاظ على مستقبل شبابنا وضمان صحة نشأتهم وحكمة منهجهم، أقترح عمل هيئة منفصلة تختص بمراجعة الإصدارات الفقهية القديمة وتنقيح الإصدارات الحالية ورصد الإصدارات المستقبلية..
بالإضافة إلى كونها جهازاً رقابياً وأمنياً لمحاربة هذا الفكر المتطرف والمتشدد في المساجد، المدارس، الشوارع وفي أي مكان قد يتعرض فيه أطفالنا وشبابنا إلى أي مؤثرات نفسية ودينية تتعارض مع أصول ديننا الحنيف وما أوصانا به الله عز وجل في كتابه العزيز..
وليكن مسمى الهيئة «هيئة الفقه الحديث»، أي الفقه المتطور، المتحضر، الواعي، المبرهن الذي يستند دائماً إلى كتاب الله عز وجل ويبتعد عن التحريف بغرض تزييف الحقائق وتشتيت العقول، أو «هيئة تتمة الأخلاق» التي تعتمد على منهج رسولنا الكريم بقوله «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق».
إن دولة الإمارات العربية المتحدة نشأت على فكر حضاري متمدن ولا بد أن يكون منهجها الديني مستنبطاً من الدين والسنة وقواعد الفقه الأصولي والأخلاق لا من التعصبيات والطائفية الزائلة المزيلة.