تنتمي أعمال الرسام الإسباني الكاتالوني بيرديل، الذي عاش في الفترة من عام 1835 إلى 1910، إلى الفن الواقعي المتمرد على القوالب التقليدية التي كانت سائدة في عصره، وهي أعمال محفوظ معظمها في متحف برشلونة، إلا أن لوحته «الهروب من النقد» تعتبر تجسيداً خارقاً للعبقرية في أجمل وأعمق تجلياتها، حيث تظهر صبيّاً بملابس رثّة وهو يخطو خارج إطار اللوحة، التي هو جزء منها، في محاولة يائسة للهرب، بينما تبدو على وجهه آثار الخوف أو الصدمة، ما يحيلنا إلى المعنى الذي أراد أن يؤكده الفنان، من أنك حين تحبس نفسك داخل إطار معين، يفوتك الكثير مما يحدث في الخارج، وحين تعاود علاقتك بذلك الخارج، يصدمك كثيراً أو يفاجئك كل ما فاتك!
لوحة «الهروب من النقد»، صرخة قوية أطلقها بيردل في فضاء أكاديميات الرسم في عصره، مطالباً الشباب بتجاهل الضغوطات التي يسببها لهم النقاد الكلاسيكيون المحافظون، الذين يفضّلون رؤية لوحات مليئة بصور الأبطال والقديسين وترويج القيم وغير ذلك، متجاهلين الواقع وما يحفل به من مشاهد وحكايات وأفكار وحيوية مختلفة، تفرز مواضيعها وصورها وقيمها، لذلك، فهذه اللوحة كانت كدعوة مباشرة للشباب للنضال والجهد الذي عليهم أن يبذلوه ليتخطوا حاجز الخوف من النقد.
اليوم معرضون للنقد، وما من يوم يمر بنا دون أن نواجه نقداً من نوع ما، وكأنك كائن خلق ليتم التحكم به، أو ليتلقى المزيد من الاعتراض، فماذا يفعل هذا النقد بشخصياتنا حين يكون على طريقة (كل ما تفعله خطأ وعليك أن تفعل كذا وكذا عوضاً عن هذا العبث الذي تفعله)؟ كثيرون يقومون بدور الناقد الذي كانت تطلق عليه جدتي (مكسر المجاديف)، وبدل أن يتركوك تحمل مجدافك وتستقر في قاربك وتجدف بقوة ذراعيك، صانعاً طريقك لتصل إلى وجهتك، يتبرع هؤلاء لخلخلة ثقتك بنفسك وبذر البحر حولك بمختلف المخاوف، ليدفعوك إلى اتباع طريقهم هم، وإلا فالويل لك!
مشكلتهم انهم لا يعرفون غير طريق واحد، ولا يريدون لأحد أن يكتشف طرقاً جديدة، ومشكلتك الكبرى تبدأ حين تعطيهم قلبك ليملؤوه بالمخاوف والأوهام، تجاهلهم وامض، اهرب من النقد، ثق بقواك الخفية، ثق بأن قاربك سيصل، وأن مجدافك لن ينكسر، وأن الريح ستهب عليك حيثما كنت، في البر كما في البحر، لكن الرياح والعواصف ستهدأ في نهاية الأمر!
الذين نجحوا، هم الذين فعلوا ما آمنوا به وبأنه يشبههم، الذين نجحوا، هم الذين أضافوا إلى كتاب الحياة جملة مفيدة رشيقة وحلوة، الذين نجحوا، هم المؤمنون بقوة بصيرتهم وتبصرهم.. والهاربون من النقد حتماً!