أشعل لاجئ سوري النار في نفسه بمركز قبول طلبات اللجوء قرب مدينة «زاندام» الهولندية لأنه يريد رؤية أطفاله الذين تركهم في تركيا، وأعلن عدد من اللاجئين أنهم سيباشرون إضرابا عن الطعام لإرغام السلطات على بدء دراسة طلبات اللجوء على الأقل.
فيما أعلن مراقبون عن ارتفاع شعور الإحباط بين اللاجئين في هولندا، مستشهدين بحادثة مأساوية أخرى في مركز مدينة هولندية أخرى، حيث شنق لاجئ عراقي نفسه، بعد أن أخبروه أن عملية النظر في طلبه لن تبدأ قبل 6 أشهر.
أخبار كان سيكون لها وقع مختلف لو أنها جاءت في زمن آخر، لكن توقيتها أفقدها الإثارة التي كان يمكن أن تتصف بها في ظل حفلات التجويع الجماعي التي تقيمها بعض الأنظمة العربية لمواطنيها داخل أوطانهم.
ليست «مضايا» السورية إلا مثالا صارخا لها، وعلى خطاها تمضي «الفلوجة» و«المقدادية» العراقيتان اللتان يحاصر الأولى منهما مسلحو «داعش» المتعطشون للدماء، بينما تعيث ميليشيات «الحشد الشعبي» الطائفية المسلحة فساداً وقتلاً في شوارع الثانية.
وتمارس أعمال الترهيب والترويع والخطف والتهجير، إلى جانب عمليات القتل التي تمارسها تنظيمات تسمي نفسها جهادية، ملغية بذلك هيبة الدول التي كانت يوما ذات حول وطول، وأجهزة مخابرات ترعب كل من تسول له نفسه معارضتها، وتخفيه وراء الشمس، فغدا اليوم قادتها لا يتحركون إلا تحت جنح الظلام، ولا يظهرون للملأ في ليل ولا نهار.
بعيدا عن موجة الحنين إلى الماضي، التي يراها البعض تهمة ولا أراها أنا نقيصة، أشاهد في بعض القنوات التلفزيونية أحيانا مختارات من الأعمال الفنية القديمة للفنان السوري «دريد لحام» المعروف بشخصية «غوار الطوشة» الشهيرة.
وهي أعمال تتوزع بين المسلسلات التلفزيونية والمسرحيات والأفلام السينمائية، وقد صور خلالها سطوة الدولة، والهيبة التي كان يتمتع بها رجال الأمن، والمخابرات على وجه الخصوص، والعجز الذي يشعر به المواطن العربي أمام هذه الأجهزة.
وأتساءل: تُرى هل كان المواطنون العرب مخدوعين إلى هذه الدرجة، أم أن العاملين في تلك الأجهزة الأمنية كانوا موهوبين، إلى الدرجة التي استطاعوا معها أن يوهموا المواطن العربي بقوتهم وهيبتهم وسطوتهم، وهم أبعد ما يكونون عن القوة والهيبة والسطوة، أم أن تلك الأعمال الفنية قد خدعتنا وباعتنا الوهم؟
أسئلة أخذت من وقتي وتفكيري الكثير، لكنها أخذت من وقت وفرصة هذه الأمة في النهوض واللحاق بركب الأمم المتقدمة أكثر، حتى إذا ما صحونا على انهيار تلك الأنظمة بمنظوماتها الأمنية.
كان التعب والإحباط واليأس قد سلب منا المقدرة على التفكير والفهم والتخطيط لمستقبلنا، فوقعنا في هاوية الفوضى، والاقتتال على غنيمة تلك الأنظمة التي تهاوت مثل القصور التي نبنيها من الرمال على الشواطئ، وخلّفت لنا بلداناً قد تآكلت بفعل فساد تلك الأنظمة، وضعف منظوماتها الأمنية، وانشغالها بملء الجيوب بدلاً من حماية الأوطان.
تُرى هل خدعتنا تلك الأنظمة التي خلناها راسخة وقوية، أم خدعنا «غوار الطوشة» عندما أوهمنا أن أجهزتها الأمنية تسمع دبيب النمل في جوف الليل، وترصد الذباب الطائر في الجو، ولا تخفى عليها شاردة ولا واردة على امتداد رقعة الأوطان التي كانت تتآكل وينخر فيها السوس، بينما قادتها منشغلون بخلافاتهم الداخلية والخارجية، معتقدين أنهم مسيطرون على زمام الأمور، حتى إذا ما وصل السوس أسفل العروش التي كانوا يتربعون عليها، تهاوت الكراسي، وتفرق الأعوان الذين كانوا يتعلقون بأستارها.
وتساقطت مثل أوراق الخريف الصفراء، وانكشف الغطاء عن تلك الأنظمة التي كانت تتحكم في مصائر البشر، وترعب الشجر والحجر، وتحصي على الناس الأنفاس، وتقرع لهم الأجراس، فينقادون لها مثل الخراف، ويؤدون لها فروض الولاء والطاعة دون نقاش.
سامح الله نجم ذلك الزمن الجميل، فقد جعلنا نشرب المقلب حتى الثمالة، وجعل شعوب تلك الأنظمة تنتظر كل هذا الوقت، حتى جاء أطفال في سن المراهقة ليرعبوا رجال أمن طالما بثوا الرعب في قلوب الكبار، وجعلوا فرائصهم ترتعد عند سماع وقع أقدامهم، وتخشى بطش أيديهم، وتعمل ألف حساب لقسوة قلوبهم، فقد فرت تلك الأقدام عند أول اختبار حقيقي، وغُلّت تلك الأيدي، وارتعشت تلك القلوب في وقت كان يجب أن تكون فيه أكثر قوة، فقدر الله وما شاء فعل.
لاجئ سوري في هولندا يشعل النار في نفسه لأنه يريد رؤية أطفاله الذين تركهم في تركيا، وعراقي ينتحر شنقا لتأخر النظر في طلب لجوئه، ونعتقد أن قلوب الهولنديين وغيرهم من شعوب الأرض سوف ترق لنا، في الوقت الذي تقسو فيه قلوبنا على بعضنا، فنعمل السكاكين في رقاب بعضنا، ونلقي البراميل المتفجرة فوق رؤوس البشر في المدن والبلدات المعارضة لنا، ونحاصر بلدات كاملة في أوطاننا، ونبيد سكانها جوعا، وتعيث ميليشياتنا المسلحة فسادا وقتلاً وتدميرا في بعض بلداتنا ومدننا، وبعد هذا كله ننتظر من شعوب الأرض وحكوماتهم أن ترق قلوبهم لنا!
أخيراً أدركت أننا نحتاج أكثر من «غوّار» كي يحلل لنا «الطوشة» التي نشعر بها في هذا الزمن، خاصة بعد أن بحثت في قواميس اللغة، فوجدت من معاني «الطوشة» الذهول، والحيرة، واختلال العقل، وضياع الرشد، وانعدام الحس والوعي، والدوار، والدوخة، والارتباك... فهذه كلها أعراض لأمراض نعاني منها، لن يخلصنا منها سوى «غوّار» جديد، شريطة أن لا نتعرض للخديعة مرة أخرى، فنعود نندب حظنا من جديد، ونحن إلى زمن جميل آخر، كنا نظنه ذات يوم قبيحاً.