البلاء موكولٌ بالمنطق كما يقال وبالأصح فالبلاء هو ما يعتمل في النفس ويخرج بين زلات اللسان، فمن مِنّا ينسى تصريح علي يونسي مستشار الرئيس الإيراني عندما قال: «إن إيران اليوم أصبحت إمبراطورية كما كانت عبر التاريخ وعاصمتها بغداد حالياً، هي مركز حضارتنا وثقافتنا وهويتنا اليوم كما في الماضي»، لا جدال أن فارس كان لها إمبراطورية سابقاً تماماً كما كان للمغول وأضرابهم.
أمّا أن يكون لهم حضارة فتلك أكذوبة تم تفنيدها في المقال السابق، لكن ما يصدم حقاً تلك «البجاحة» في احتلال عاصمة عظيمة لبلدٍ عربي عظيم ومحاولة «تزييف الوعي» العالمي لسرقة تاريخ وحضارة وثقافة العراق لدولةٍ لم تعرف إلا إسالة الدماء طيلة تاريخها وتحديداً دماء العرب!
العرب في الذاكرة الفارسية أشبه بالبعبع، لذلك تدور حولهم كل رغبات الانتقام وتنسّج عنهم كل أكاذيب السَرْد والتي تُصادف دوماً هوى في الذاكرة الفارسية، ولا أدل على ذلك مِن تشفّي علي رضا زاكاني مستشار المرشد الأعلى خامنئي عندما افتخر باحتلال إيران لأربع عواصم عربية (بغداد، دمشق، بيروت، صنعاء)، واللافت أنّ إيران لم تحتل ولو خطأً أي «حارة» أو حتى «كافيتيريا» لدولة غير عربية، فشرّهم لا يعرف سوى العرب، ومجنونٌ من يظنّ أن الأمر يتعلق بحُكم الملالي.
فالنظرة الفارسية الاستعلائية لم تتغير والحقد الدفين ضد العرب بدأ من ذلك الإحساس بالنقص الهائل إبّان عيشهم على هامش حضارات العرب البابلية والآكادية والآشورية ثم سقوط امبراطوريتهم الساسانية للأبد أمام العرب الفاتحين القادمين لنقل الناس مِن «عبادة العباد إلى عبادة رب العباد»!
يقول المفكر والأستاذ بجامعة طهران زيبا كلام بمقابلة مع صحيفة «صبح آزادي» الإيرانية: «أعتقد أن الكثير منّا، سواء كان متديناً أم علمانياً، يكره العرب» ثم يواصل لتبرير سبب الكراهية: «يبدو أننا كإيرانيين لَمْ نَنْسَ بَعْدُ هزيمتنا التاريخية أمام العرب ولم ننسَ القادسية بعد مرور 1400 عام عليها.
فنُخفي في أعماقنا ضغينةً وحقداً دفيناً تجاه العرب كنارٍ تخرج من تحت الرماد كلما سنحت الفرصة»، ولو مررتَ بكتابات مفكريهم ميرزا آغا كرماني وشاه رخ مسكوب وناصر خسرو وصادق هدايت فلن تجد صفة عندهم عن العرب إلا أنّه «الحافي، القذر، الموبوء، المتوحش، الكريه، الشيطان، آكل السحالي، المغتصب، صاحب الجلد الأسود، المخادع».
أمّا الفردوسي صاحب «الشاهنامه» فيقول على لسان كسرى: «بلغ الأمر بالعرب بعد شرب حليب النوق وأكل الضب أنْ صاروا يتمنون تاج كسرى»، الفارق أنّ العرب كانوا ينشرون الخير والعدالة بينما كان كسرى يستعبد الناس ويسجدون له.
وكان العرب المسلمون يُرسّخون مكارم الأخلاق التي فسدت عند الفرس لدرجة أن كسرى يزدجرد الثاني تزوّج ابنته وكسرى بُهرام تزوّج بأخته بناءً على مذهب زرادشت الذي ما زالوا يُعظّمونه، واعتمد «كسرى قباذ» مذهب «مزدك» الذي قال بضرورة مشاركة كل شيء: المال والنساء!
يُعاني الفرس من عقدة النقص وهي استعداد لاشعوري مكبوت ينشأ من تعرّض الفرد لمواقف متكررة تُشعِره بالفشل والنقص عن الآخر «المتفوِّق» لكن لشدّة ألمه يُنكر وجوده ويدفعه كل ما يذكّره به إلى ردّات فعل متشنجة وعنيفة.
تماماً كما يصدر من ردود الساسة الإيرانيين الاستعلائية المتهوّرة تجاه جيرانهم عرب الخليج، فالشخصية الفارسية تمارس النرجسية والاستعلاء بشكل كبير هرباً من عقدة النقص المترسخة وكلما كان الاستعلاء كبيراً دَلَّ على كبر حجم النقص الموجود بالداخل.
وليس خافياً تلك الألقاب التي تحاول اختلاق المكانة العالية «المرشد الأعلى، حجة الله، آية الله العظمى» والتي تُرسِّخ «عقيدة السيد» أو «الإله» أو «المتحدّث باسم الرب» لتسيير العامة وإيهامها أن ما يصدّر من الساسة هي من أوامر الرب نفسه!
كراهية العرب المتجذّرة في الوعي الفارسي أدت لتحويرهم للإسلام ليتلاءم مع تلك الشخصية المشحونة، فكما أن الذاكرة الفارسية لا تعترف بالحُكم إلا في بيت معيّن هو البيت الساساني قبل سقوطه، فقد جيّروا الحكم في الإسلام في بيت النبوة من خلال علي بن أبي طالب، رضي الله عنه.
ثم اختاروا من أبنائه الحسين ثم من أبنائه زين العابدين لأن أمّه فارسية، لكن «توهّق البطل» لأن الحسن العسكري لم يُعقّب ذُريّة كما قال ذلك أخوه جعفر فكذّبوه وادعوا أن له ابناً دخل مغارة سامرّاء وسيخرج عندما يكبر، يخرج لماذا؟
ليقتل العرب، نعم يا سادة، سيقتل تسعة أعشار العرب كما يزعم الفرس، ولا غرابة في ذلك فها هو محمد باقر المجلسي يروي أن هذا المهدي تسري به دماء يزدجرد عندما هرب من العرب وتوعدهم بابنه ويؤكده أن أحد أسماء المهدي لديهم هو «خسرو مجوس».
ويزعم الفرس أيضاً أن جعفر الصادق قال ـ وهم كاذبون ـ: «ليس بيننا وبين العرب إلا الذبح» وذلك يبدو ما يُفسِّر دمويتهم الوحشية في عدوانهم على العرب دوماً والذي لن يتغيّر إلا في أحلام حلفائهم في السر: الصوفية والإخوان!
إنّ الفارسي بطبعه دائم الارتياب وهو ما رسّخ لديه سوء الظن، وذلك ما دعاه طيلة تاريخه للتلوّن ومسايرة الأقوى تحيّناً لفرصة الانتقام كما فعل كورش بالبابليين وأبو مسلم بالأمويين ونصير الدين الطوسي بالعباسيين وإسماعيل الصفوي بالعثمانيين والشاه بالأحواز والخميني بالعراق.
فالكذب والتلوّن هي خصلة أصيلة لديه، كيف لا ومَثَلَهم الشهير يقول «احْجُب عن العيون: ذَهابك وذَهَبَك ومَذْهَبَك»، بينما عبّر الباحث الأميركي جاك ميلوك عن تلك الخصلة لدى الفرس بقوله: «إنّ الملق والمداهنة والكذب والغش هي ما يحتاجها الفرد للتقدم والصعود للأعلى».
وكم تمنيت أن السيد أوباما قرأ كتاب مواطنه قبل أن يخلط الأوراق ويحاول إقناعنا بأنّ الظلمات الحالكة هي النور وأنّ من «تعبت» الأمم المتحدة من تنديداتها له وعقوباتها عليه هو من يحمل مشاعل الخير لمستقبل المنطقة!