«صباح الخير أيتها الحياة.. صباح النور أيتها الأشياء الجميلة» حين كتبت صديقتي المتفائلة - على طول الخط - هذه العبارة على صفحتها في الفيسبوك، علق عليها أحد «الثقلاء» وماذا ترين في هذه الحياة مما يستحق هذا الابتهاج المبالغ والتمثيلي؟ فكتبت له بغضب «يكفي ألا أتعثر بشخصك خلال يومي لتكون الحياة جميلة»، قدمت لها ابتسامة شكر لردها الانتقامي السريع، وشكرت الحياة بدوري لأنها تقدم لنا في كل لحظة إشارات واضحة على أن ما قاله شاعر تركيا الكبير «ناظم حكمت» صحيح بما لا يدع مجالا للشك.

ينتابنا جميعا ذلك الشعور البائس أن الحياة لا تعطينا بذات اليد الكريمة التي تصفعنا بها، وأنها فعلا ثقيلة ككائن لا تحتمل خفته لكننا مجبرون على التعايش معها، ثم تقلب نظرك في الدنيا وفي السماوات وأحوال الناس والكتب وحكايات التاريخ فتفاجأ أن ذلك هو ما يجري دائما، عندها يصرخ في سمعك ناظم حكمت، فاسمعه وصدقه:

«إن أجمل الأيام يوم لم نعشه بعد، وأجمل البحار بحر لم ترتده أشرعتنا بعد،

وأجمل الأنهار نهر لم يكتشف بعد.. وأجمل الأطفال طفل لم يولد بعد».

في الحياة مفاجآت حقيقية، ليست على طريقة التعاطي والمشاعر الطفولية الساذجة، ولكن بالطريقة التي يمكنها أن تغير مجرى طويلا ظل ذلك النهر يحفره في الأرض سنين طويلة وبدأب يحسد عليه، مع ذلك فقد يقرر النهر أن يبتسم لأرض أخرى وأن يركض باتجاه شساعتها المغرية ليبدأ الحفر من جديد فربما صنع هناك اسطورة لم تخطر على بال المياه والجداول!

ما مجدنا وما مجد الكاتب والكتابة غير تلك اللحظة الحاسمة التي نقرر فيها أن نغادر أرضا ألفناها، لنكتشف عبقرية التفرد في أرض أخرى، تلك اللحظة الفاصلة التي تقرر أن تختار فيها بين توق نفسك للمختلف واطمئنان قلبك للواقع هي لحظتك الحقيقية، إنك حين تختار تعلم يقينا أنه من طلب المعلوم علم حاله وارتاح، ومن سعى للمختلف اختار مآله ورافق القلق.

اليوم لا أبدأ خطواتي الأولى في البيان، فالبيان مسقط رأسي الأول في أرض الإعلام، ومبتدأ قلمي في جملة الكتابة، اليوم أعود إليها كما يعود طائر حلق كثيراً وطويلاً في سماوات زرقاء وخضراء وبيضاء، وكما تعود شجرة غادرت بستانها، أعود لأن فكرة جميلة قدر لي أن أتشاركها معكم هنا، أعود لأن الحياة تجارب وأسفار وفضاءات، ولأن البيان «بيتي» الأول، أعود لأفتح هذه النافذة وأطل عليكم مجددا كل يوم لأقول «صباح الخير أيتها الحياة.. صباح النور أيها القراء».