معطيات وحسابات جديدة

ت + ت - الحجم الطبيعي

بدخول روسيا المباشر إلى سوريا تبدلت معطيات الصراع بتبدل احجام وقدرات المتصارعين، سواء على الطرف الرسمي والمقاوم، أو فيما يتعلق بنتائج انخراط الجيش الروسي في حرب ضد الثورة شرع يخوضها براً وبحراً وجواً، بعد أن فقد الثقة بقدرة جيش الأسد على حماية مصالح الكرملين في سوريا وما وراءها..

وصار تدخله المباشر ضروريا لترميم أوضاع النظام، وأوضاع روسيا السورية، ولضمان غلبتها على القوى الإقليمية والدولية، وغلبة الأسد على الجيش الحر، وفرض حل يمنح الكرملين بعض ما كان للاتحاد السوفييتي من نفوذ وحضور في البلدان العربية، وخاصة في المجاورة منها لفلسطين.

بدخول روسيا العسكري المباشر إلى سوريا، تراجعت قدرة الأسد على تقرير شؤونها، وغدا الكرملين الجهة التي ستحدد مصير نظامه. بذلك، فقد الصراع بالواسطة اولويته لصالح صراع عن قرب بين واشنطن وموسكو، بينما تحدى حجم القوة الروسية قدرات اية قوة محلية، وغدا من المحال موازنته دون استعارة قوة كافية من الطرف الدولي المعادي لها..

وبالتحديد من أميركا، التي ادلى قادتها بتصريحات بدا معها أنها تبدل اولوياتها، ليمكنها احتواء وضع روسيا السوري الجديد، وتعديل دور بلدان عربية بعينها وتوسيع هوامش حركتها وجعلها قادرة على التصرف بحرية نسبية بالنسبة لتسليح وتمويل مقاومي النظام الأسدي، والموقف من اي حل سياسي في سوريا.

ببروز جيش روسيا كطرف، وجدت واشنطن نفسها مجبرة على موازنة دوره عبر انخراط أميركي اقل سلبية من موقفها التقليدي حيال ما تسميه "الأزمة السورية"، صاغته عبر نقل مركز ثقل سياستها من الحرب ضد الإرهاب إلى رحيل بشار الأسد باعتباره شرط نجاح هذه الحرب..

وعبر ميل اكثر ايجابية إلى قبول المشروع التركي حول المنطقة الخالية من المخاطر ـ المنطقة الآمنةـ، الذي عطلته قرابة نصف عام، وأخيرا موافقتها على امداد قوى من الجيش الحر بأسلحة نوعية مضادة للدبابات بعضها روسي الصنع، دون ان تربط ذلك بأية اشتراطات مسبقة كانتقاء عناصرها وتدريبهم على يد خبرائها العسكريين.

هذه التطورات في الموقف الأميركي اريد بها الحؤول بين عسكر بوتين وبين قلب موازين القوى لصالح الكرملين دولياً والأسد محلياً، ودون فرض حل سياسي تخرج موسكو منه بالغنيمة الكبرى..

ويجعل يد الأسد هي العليا في سوريا. هذه التطورات وسعت الهوة بين موقفي أميركا وروسيا، وأقنعت الأخيرة بأن لدى أميركا القدرة على إغراقها في مستنقع بديله المتاح قبولها بحل سياسي يخدم مصالح أميركا، وإن لم يحقق مباشرة ما طالب به السوريون خلال ثورتهم. هل رسمت أميركا بمواقفها المعدلة خطاً احمر أمام بقاء الأسد في السلطة خلال ما تبقى من سنوات ولايته الخمس، كما تقترح روسيا، بزعم أن رئاسته دستورية وأنه رئيس منتخب ؟.

وهل قوضت المردود السياسي لتدخل موسكو العسكري في سوريا، بجعل انتصار النظام على المعارضة ممنوعا، وضربات الروس الجوية اعجز من أن تقلب الطاولة لصالحهم وصالحه، ووضعتهم أمام احد خيارين : حرب تستنزفهم يخرجون معها صفر اليدين، أو اقناع الأسد وطهران بقبول حل سياسي قريب من جنيف، وأطراف النظام بالمشاركة في نظام ديمقراطي بديل للنظام الحالي ؟.

بهذا التطور في الموقف الأميركي، وبالمقاومة التي يبديها الجيش الحر، تبدو موسكو اليوم كمن يضرب الماء بعصا. فهل تتعقل، لأن فرص انتصارها العسكري محدودة إلى درجة الانعدام، بسياسات ومصالح أميركا والعرب ؟.

وهل تقرر روسيا تقليص حربها في سوريا، والاكتفاء بوجود عسكري بارد نسبيا قرب اللاذقية وطرطوس، يدعم موقفها التفاوضي بسلميته، ويؤكد صدقية بحثها عن حل يطبق ما وافقت عليه في وثيقة جنيف، تتوقف معه عن القصف، مقابل قبولهم بمصالحها المشروعة في بلادهم والمنطقة، وإسهامها في اقامة توازن دولي يحفظ امنهم ووحدة دولتهم ومجتمعهم، يساعدهم على تخطي مرحلة انتقال ستكون صعبة جدا إلى النظام الديمقراطي البديل ؟.

هناك اليوم خطوط حمراء دولية وعربية لن تنجح موسكو في كسرها والخروج عليها، إذا ما واصلت المراهنة على حل عسكري ينقذ الأسد، فهل يفهم قادتها أنه لا جدوى من حربهم، التي ستكون عالية التكلفة، وستشوه سمعة بلادهم على امتداد العالمين العربي والإسلامي، وستنقل الإرهاب اليهم كما قد لا يخطر لهم على بال ؟.

 

طباعة Email