خطاب الاتحاد الذي ألقاه أوباما في بداية عامه الأخير في الحكم، جاء لافتاً من أكثر من زاوية. فالرئيس الأميركي بدا فخوراً بسجله الرئاسي، وعكس خطابه درجة عالية من الغطرسة الأميركية تجاه العالم، فضلاً عن أن ما سكت عنه الرئيس في خطابه بدا أكثر دلالة مما قال.
وخطاب «حالة الاتحاد»، هو خطاب منصوص عليه في الدستور الأميركي، ويلقيه الرئيس أمام مجلسي النواب والشيوخ معاً. وقد كان لافتاً للانتباه، أن خطاب أوباما عكس فخراً واضحاً بما حققه طوال فترتي إدارته. فهو تحدث عن إنجازات إدارته الداخلية والخارجية، وكرر بفخر أن اقتصاد بلاده هو «الأقوى» في العالم.
وقد بدت مفردات أوباما أكثر ثقة بالنفس من أي خطاب سابق، خصوصاً في التعامل مع خصومه السياسيين في الكونغرس وخارجه. وقد تبدى ذلك في أكثر من موضع، كان منها قوله إن الذين يتحدثون عن ضعف الاقتصاد الأميركي «يتاجرون في الخيال».
لكن لعل أكثر إشارات الرئيس بالانتقاد لأعضاء الكونغرس حدة، كانت تلك التي اتهمهم فيها ضمناً بأنهم يتمتعون بمزايا لا يريدون أن يمنحوها لغيرهم من الأميركيين، حين قال إن «بعضاً من الاستثناء في أميركا الذين يعملون في المكان نفسه ثلاثين عاماً متصلة، ولديهم تأمين صحي ومعاش، هم الذين يجلسون في هذه القاعة». وهي ملاحظة صحيحة بالمناسبة.
فأعضاء الكونغرس الذين بإمكانهم الترشح لإعادة انتخابهم دون أي سقف لعدد المرات، يمكنهم البقاء في الكونغرس لأكثر من ثلاثين عاماً متصلة، ولهم بالفعل تأمين صحي ومعاشات يحسدهم عليها الكثير من الأميركيين.
لكن الرئيس الأميركي بدا خطابه أيضاً متسماً بدرجة عالية من الغطرسة تجاه العالم. فهو بعد أن أشار إلى أن بلاده هي «أقوى دولة على وجه الأرض»، وأكد أن الإنفاق العسكري لبلاده يفوق إنفاق الدول الثماني التي تليها مجتمعة، أضاف أنه لا يوجد مكان لا يمكن أن تصل له يد بلاده.
لكن لعل الأكثر من ذلك، هو أن الرئيس الأميركي لم يجد حاجة للدخول في تفصيلات علاقة بلاده بأي دولة في العالم، ولا حتى مع أي مجموعة من الدول. فقد خلا الخطاب تماماً من ذكر السياسة الخارجية الأميركية تجاه قوى كبرى اقتصادية أو عسكرية، من اليابان والصين للاتحاد الأوروبي وروسيا.
ولكن الرئيس الأميركي تحدث عن تحولات كبرى تحدث في النظام الدولي، الذي «أرسيناه بعد الحرب العالمية الثانية»، تجعل ذلك النظام يصارع من أجل البقاء. واعتبر أنه من المهم أن تلعب بلاده دوراً رئيساً في «إعادة تشكيله».
غير أن القضية الوحيدة التي تناولها أوباما بالتفصيل، كانت مكافحة الإرهاب. وقد شرح أوباما رؤيته لطبيعة خطر الإرهاب، وحدد استراتيجيته لمواجهته.
فهو اعتبر أن الإرهاب يمثل «تهديداً مباشراً لشعبنا» ولكنه لا يمثل «تهديداً وجودياً» للولايات المتحدة، ولا يعتبر جهود مكافحته بمثابة «حرب عالمية ثالثة». أما استراتيجية مواجهته، فهو وصفها بأنها أكثر «ذكاء» من «احتلال الدول وإعادة بنائها»، على غرار ما حدث مع العراق، مضيفاً أن العراق، مثلها مثل فيتنام، كانت درساً «لا بد أننا استوعبناه».
أما الاستراتيجية الأكثر ذكاء، على حد وصفه، فهي كما قال أوباما، عبارة عن «استراتيجية صبورة ومنضبطة، تستخدم كل عناصر القوة» الأميركية، التي هي على «استعداد للعمل منفردة إذا لزم الأمر» لحماية الأميركيين والحلفاء. «ولكن في ما يتعلق بالقضايا التي هي مثار قلق دولي، فإننا نعبئ العالم ليعمل معنا، ونضمن أن تشارك الدول الأخرى» بكل ثقلها.
وكان من اللافت أيضاً، أن أوباما حدد في بداية خطابه أولويات أربع لبلاده، كان ترتيب السياسة الخارجية بينها الثالثة. فقد تصدر الاقتصاد وتغير المناخ الأولوية الأولى والثانية، بينما لم يُولِ السياسة الخارجية سوى معالجة الاستقطاب السياسي الحاد في واشنطن.
لكن لعل المفارقة الأكثر دلالة من بين كل ذلك، هي أن أول رئيس أسود لأميركا، لم يذكر مطلقاً محنة سود أميركا، وكأنها ليست من بين مفردات «حالة الاتحاد الأميركي». وسكوت الرئيس الأميركي له دلالة عميقة.
فانتخاب أوباما صاحبه ارتفاع في العنصرية، لا العكس، وفي عهده، طفت على السطح الأبعاد المختلفة لمحنة سود أميركا، أكثر من أي وقت مضى، الأمر الذي نتج عنه ظهور حركة سياسية جديدة لشباب السود، التي برزت بوضوح بعد مقتل الفتى مايكل براون على يد رجال الشرطة. فمايكل براون لم يكن الأول، ولن يكون الأخير.
بعد أن شاهدت خطاب أوباما، وأعدت قراءته حتى أكتب هذا المقال، شرد ذهني قليلاً، ثم عدت لمفردات الرئيس، أبحث بينها عن مفردات تميزه عن غيره، ثم سألت نفسي، ما مفردات السياسة الداخلية والخارجية، بالمناسبة، التي كانت ستختلف لو أن الرئيس الذي ألقى هذا الخطاب من البيض، وليس أول رئيس أميركي أسود؟!