في زحمة الأحداث وتتابعها، وضجيج الحياة ومشاغلها، وتبعة المسؤولية وثقلها، وأحوال الناس وتقلباتها، تخفت فينا ومضات من فكر، كانت تستحق التوقف عندها وتأملها، وتغيب الرؤى وتختلط الأمور، وقد تضعف الهمم وتسأم النفس وتفتر العزائم، بفعل رتابة ما نقوم به ونمارسه بشكل يومي، أو بشكل تقليدي، فالألفة عدو التجديد.
والإنسان ابن ما يألفه، للدرجة التي يصبح معه الخروج على المعتاد من الأمور، يحتاج إلى مشقة كبيرة ذهنية ونفسية، ولذلك قال الحكماء «خير عادة، ألا يكون للمرء عادة».
كما أن أداء أدوارنا بشكل نمطي، يفقدنا لذة الاستمتاع بها، فأستاذ الجامعة الذي يقدم ذات المادة العلمية بذات النمط في الأداء، دون إضافة أو تحديث أو تغيير في طريقة العرض، يفقد بعد فترة زمنية استمتاعه بما يقوم به..
ويؤثر ذلك بالتبعية في طلابه الذي يحتاجون إلى من يحفزهم لاستقبال المعلومة، وفاقد الشيء لا يعطيه، كذلك الطبيب الذي يمارس مهنته بأسلوب رتيب، دون أن تستفزه حالة مرضية جديدة، تحتاج منه إلى البحث والدراسة، يفقد الكثير من وهجه العلمي.
الشاهد أن طبيعتنا البشرية في تعاطيها مع ما تقوم به، تمر بها أحوال زيادة ونقصان، وهذا الذي جبل الله سبحانه وتعالى عليه الخلق في الدنيا والدين، فإذا كان إيمان الفرد يزيد وينقص، كما أخبرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا شك أن همة الفرد في حياته تزيد وتنقص، ونداء الحق لنا بالتدبر في حولنا والتفكر في آياته، والنظر في حكمته، والتأمل في ما حولنا، هو نهج قويم حتى تستقيم النفس وتتجدد الحياة وتشحذ الهمم.
تواردت على خاطري تلك الأفكار، وأنا أتابع حضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «خلوة المئة»، التي تضم أهم مئة شخصية وطنية معنية بعام القراءة، وذلك لوضع إطار عام، ومناقشة مبادرات وطنية دائمة تعمل على ترسيخ القراءة عادة مجتمعية دائمة في دولة الإمارات العربية المتحدة وفي الأجيال القادمة، والتي تم تقسيمها لستة مسارات أساسية، هي التعليم..
والقطاع الحكومي، والقطاع الخاص، والنشر والمحتوى، والإعلام، والقراءة لغير الناطقين. وناقشت أكثر من 100 فكرة ومبادرة في هذه القطاعات، والتي ستكون هي الأساس لبناء استراتيجية طويلة المدى، ليتم تطبيقها عبر كافة القطاعات المعنية.
والحقيقة أن هذا النهج من التعامل مع القضايا الوطنية، يستحق التوقف أمامه طويلاً، شكلاً ومضموناً، من بدابة إطلاق الاسم هو الخلوة، التي تعني الانقطاع والانفراد بالنفس للتفكير والتأمل بعيداً عما سوى ما نقوم به، كما أن الخلوة في تقديري، تعني التفكير بعمق في ما نحن مقدمون عليه، ونتخلى عما سواه من أمور حياتنا في الزمان والمكان المحدد لذلك..
وهو أمر يحتاج إلى صفاء الذهن، وهدوء النفس وسكينتها، لكي تكون النتائج ناجعة، ولا شك أننا نحتاج إلى تلك الخلوة بين حين وآخر كأفراد، وكفرق عمل ومؤسسات، نحتاج إليها في حياتنا الاجتماعية، حين يأتي الإنسان ليخلو بنفسه دقائق معدودة، ليرى كيف كان يومه..
وما هي المواقف التي أصاب وأخطأ فيها، ليرتب فكره ويحدد أولوياته في اليوم التالي، إننا قد لا نرى الصورة بدقة حين نكون جزءاً من الحدث، غير أن الخلوة والنظر من خارج الدائرة، يجعلنا نرى أشياء لم نكن لنراها، ونفعل أشياء كدنا أن نتجاهلها.
إن الخلوة تعين الإنسان على التأمل، وهو أول أبواب الإبداع الفكري، والباحثون عن الحق التواقون إلى الحقيقة، كانت الخلوة من دأبهم، كيف لا، وهل اكتشف نيوتن قانون الجاذبية وسط حشود من الناس؟.
الشاهد أن خلوة الفرد بنفسه تمنحه فرصة للرؤية العميقة، غير أن وجود آخرين معه، يصنع حالة من التلاقح الفكري، الذي ينتج عنه بزوغ أفكار تتنافس مع بعضها البعض، وقد تصل إلى مرحلة الاحتدام، الذي يعقبه مباشر بقبول الفكرة الأقوى والأوسط والقابلة للتنفيذ، تلك الفكرة التي حملت في طياتها عوامل قبولها، لتأخذ بعد ذلك زخم حملها والدعوة إليها عبر إقناع الآخرين بها، ثم تحويلها إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع.
إن الفكر المبدع، والذي هو نشاط عقلي للبحث عن حلول أو التوصل إلى نتائج، لم تكن مطروقة، من الصعوبة أن يتم دون أن يكون هناك شكل ما من أشكال الجلوس مع النفس، كما أن قيمة هذه الأفكار، لم يكن ليتضح في غير وجود آخرين، غير أن الدافع الأكبر للوصول إلى تلك الأفكار، هو الإيمان بأن هناك إرادة سياسية فاعلة لتتبني الصالح منها والدفع به، تلك هي القيمة الكبرى لتلك الخلوات التي نود أن تنتشر وتصبح أسلوب حياة على المستوى الفردي والمؤسسي، وسوف تكون النتيجة كما الأسلوب، فريدة وناجعة، لتصبح الخلوات صانعة للمستقبل، بإذن الله.