يعتقد الاستراتيجيون الإسرائيليون أن مكانة فلسطينيي 1948 وحيرة الاستقرار على خيار نهائي في التعامل معهم، تقع ضمن أهم الأخطار الجوهرية المهددة لمستقبل إسرائيل، وبعضهم يرقى بهذا التهديد إلى موقع متقدم يوازي ــ إن لم يسبق ــ الأخطار التي قد تنجم عن قيام دولة فلسطينية بالجوار، أو عن انتشار الفقر بين يهود إسرائيل بمعدلات تشجعهم على الهجرة المضادة منها، أو عن استحواذ إيران على القنبلة النووية، أو عن انقطاع العلاقة الحميمة مع عالم الغرب وتفاقم عزلة إسرائيل عالمياً.
أثناء ذروة الاحتفاء باتفاق أوسلو ووعوده على المسار الإسرائيلي الفلسطيني، كتب موشى أرينز وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق، ما موجزه أنه اذا تأمل الاسرائيليون ملياً في أحوالهم، فإنهم سيعرفون أن «.. الخطر الذي يكمن في مستقبل الأقلية العربية داخل الخط الأخضر، أكثر الحاحاً من ذلك المطروح عليهم من خارج هذا الخط..».
هذه الهواجس قد تنطوي على شيء من المبالغة، لكنها ليست خيالية، والأهم انها تستثير نخب الحكم والسياسة وتقوي دوائر التطرف لدى القطاعات الصهيونية اليهودية؛ التي لا تنقصها أصلاً نوازع التطرف والكراهية ضد «الأقلية العربية»، وصولاً الى اتخاذ ردود أفعال ارهابية صريحة، بحق أي صوت ينحرف عن الخط الإسرائيلي العام يأتي من داخل هذه الأقلية.
هذا ما حدث بالضبط بعيد واقعة اطلاق أحد أبناء فلسطينيي 48 (نشأت ملحم ) النار على رواد أحد مقاهي شارع ديزنجوف في تل أبيب، فقد انبرى يهود اسرائيل، الا قليلا منهم، الى شن حملة تجريم آثمة ضد مليون ونصف المليون من العرب في الدولة، وفي هذا السياق، لم يعبأ هؤلاء بمواطنية ملحم الإسرائيلية، وانما قلبوا الدنيا رأساً على عقب بشأن هويته الفلسطينية العربية الأم وما تمثله من خطورة عليهم في الحال والاستقبال.
لقد عالجوا القضية وفقاً لثنائية «عربي مقابل يهودي» وليس إسرائيلي مقابل إسرائيليين، ولم يشفع لفلسطينيي 48 أن غالبيتهم سارعت إلى التنديد بمثل هذه التصرفات الفردية.
في إسرائيل يحاسب المواطنون العرب على سرائرهم وما تخفي الصدور؛ كما انهم يعاقبون بالجملة، وهم خمس سكان إسرائيل، بجريرة ما يفعله الفرد الواحد منهم.
فور حادثة ديزنجوف اجتمع يهود إسرائيل على مطلب تجريد هؤلاء المواطنين، غير اليهود، من السلاح تماماً، حتى المرخص منه، وفي غضون هذه الهوجة، لم يلتفتوا إلى ترسانة السلاح المرخص وغير المرخص؛ التي تعد جزءاً مهماً من الأثاث المنزلي لكل يهود الدولة داخل الخط الأخضر وخارجه!.
تضطلع نخب الحكم والسياسة الإسرائيلية بتشريع وتطبيق، كل ما من شأنه استثناء شريحة فلسطينيي 48 من الاجتماع السياسي الطبيعي في الدولة، وأخيراً راحت هذه النخب، ومن ورائها جمهرة عريضة من اليهود، تسعى لإعلان إسرائيل دولة يهودية بحتة، ورغم ذلك ونحوه مما يؤكد اتجاه تقنين التمييز العنصري بحق هذه الشريحة، فإنها مطالبة بأداء قسم الولاء الكامل لهذه الدولة.
وفي تعليقه على حادثة ديزنجوف، قال بنيامين نتانياهو ما مؤداه أنه لن يسمح بوجود دولة للعرب داخل دولة إسرائيل، ولم يسأل نتانياهو نفسه عن الكيفية التي سيحول بها دون قيام دولة العرب، طالما أنه وقومه يجتهدون في اصطفاء إسرائيل لليهود فقط ؟!. لا معنى لهذا القول سوى أن رئيس الوزراء الإسرائيلي وبطانته يضمرون طرد العرب كلياً من حيز الدولة اليهودية التي يريدون.