جاء في المعجم العربي في الحنين قوله: صوت الأم الى ولدها؛ صوت الذي في فؤاده نزعة ألم؛ صوت الريح والنسيم الرقيق؛ صوت العود عند النقر عليه؛ صوت القوس عند الإنباض؛ صوت المرأة تفتقد زوجها؛ صوت المشتاق.

ثم تواضع الناس فيما بينهم على أن الحنين هو الاشتياق إلى حالة مضت، وإلى عالم لم يعد قابلاً للعودة، كحنين الكهل إلى صباه، وحنين الفلاح إلى المحراث القديم، وحنين الغريب إلى وطنه. وفي كل الأحوال فالحنين حالة نفسية تجلب لصاحبها الغم والحزن والحسرة ولهذا نلاحظ أنه إذا ما عبر أحدهم عن حنينه أنهى حديثة بالتأوه.

ولكن هناك ظاهرة من أغرب الظواهر المتعلقة بالحنين ألا وهي ظاهرة الحنين العقيم والحنين القاتل، إنه الحنين إلى عالم سياسي وحضاري مضى وغير قابل للاستعادة وارتباط هذا الحنين بممارسة سياسية عند بعض الجماعات وعنيفة عند جماعات أخرى.

أما الحنين السياسي في بلادنا العربية فحدث عن حنين جيل ما زال يعيش نشوة الناصرية، فقد ارتبطت الناصرية بشخص عبد الناصر وثورة يوليو، وتأميم قناة السويس، والإصلاح الزراعي، والتنمية الصناعية، والطرح القومي العربي وانقسام العالم إلى معسكرين: رأسمالي واشتراكي.

والحق إن الحنين إلى الناصرية موقف من الحاضر لكنه حنين عقيم في عالم تغير تغيراً شديداً، فالتنمية والحريّة وحقوق الإنسان العربي تحتاج إلى منطق سياسي جديد في واقع سياسي جديد. وقس على ذلك حنين الحركات الإسلامية السياسية إلى عصر الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين.

بوصفه العصر الذهبي القابل للاستعادة، هذا الحنين العقيم لدى الإخوان المسلمين وما شابههم لا ينظر إلى تغير الأزمان والأحوال والأمصار، وما جرى من جدة في الحضارة التقنية والعلمية والثقافية. ولست بحاجة لأفصل في حنين بقايا الشيوعيين إلى مرحلة الاتحاد السوفييتي.

ولكن الأخطر من هذا حنين أحزاب الله وأنصار الله إلى استعادة لحظة قصيرة من التاريخ والعمل على ذلك بالقوة المسلحة وهذا شأن داعش أيضاً، وهذا نوع من الحنين القاتل الذي نجد آثاره المدمرة في اليمن ولبنان وسوريا وإيران وغيرها من البلدان.

إنه حنين قاتل لأن قوته تدميرية وليس بمقدورها البناء، فالأطلال لا تعود إلى الحياة بمجرد الحنين إليها والعمل على بعث الحياة فيها، فالماضي قد مضى، والزمن لا يعود إلى الوراء، ولا ينتظر أحداً أصلاً.

ومن أشد مظاهر خطورة هذا الحنين إذا ما تحول إلى أيديولوجيا وممارسة انتشاره بحكم العدوى في عوالم أخرى قد لا تعيش الظروف التي أنتجت الحنين بصورتيه الآنفتي الذكر.

 فانتشار هذا الحنين بالعدوى يشبه تماماً انتشار الأمراض السارية، وبخاصة إذا كانت الثقافة التي ينطوي عليها الفرد أرضاً خصبة لمثل هذه العدوى القاتلة، أجل إن الثقافة التي يتلقاها الفرد أساس في انتشار العدوى الأيديولوجية للحنين القاتل على وجه الخصوص.

إن التخلص من حنين كهذا وخطره على الإنسان أمر في غاية الأهمية للدخول في عالم الإنسان المعاصر في أرقى أحواله الحضارية، ولا شك عندي إن حنيناً كهذا يعود إلى حال من اليأس يطال نفوس عدد من الذين فقدوا الوسيلة في عالم يحقق لهم السعادة الأرضية وحاجاتهم الضرورية أو الحاجات المستجدة.

وبالتالي إن استعادة الأمل والتفاؤل بالمستقبل ليس مجرد خطاب، بل لابد أن يكون ممارسة عملية تحرر البشر من الحنين العقيم والحنين القاتل. ممارسة تجعل من البشر فاعلين في بناء عالمهم المأمول والذي يحررهم من العجز في تلبية حاجاتهم المادية والروحية.

إن المسألة التي قلما يلتفت إليها أهل الرأي هي: إن الأمل لا يعيش إلا في شروط حب الحياة، وإن اليأس وثقافة الموت لا يسودان إلا في النظر إلى الحياة على إنها تعب وعبء يجب التخلص منهما.

فالحنين العقيم والحنين القاتل إعلان صريح على موت حب الحياة، بل ودليل على انتصار ثقافة الموت.