حمامة سلام هي كل ما نحتاج إليه في الوطن العربي حالياً، وقد بتنا نشهد كل يوم قتلاً ودماء تسال هنا وهناك شرقاً وغرباً، وأصبحنا كمن يشاهد فيلماً دموياً، يتأثر حسب المشهد، وتخرج أفواهنا عن صمتها، فتغرد ساعة وتنشر ساعة أخرى، وتدين وتستنكر ساعات أخريات، ثم يلتئم الجرح ويبرد، فنرجع إلى حالنا، وننتظر حالات أخرى، لتحركنا من جديد.
مشاهد القتل والدمار أصبحت من الأمور العادية والاعتيادية في حياتنا، حتى إن أطفالنا باتوا يشاهدون تلك المشاهد وهم معتادون عليها، بل وأصبحت ثقافتهم مبنية على العنف، ومن الطبيعي أن الطفل لديه القدرة على التخزين، وهذا ما سيؤثر عليهم في المستقبل.
إن في انتشار صور لأطفال بلدة «مضايا» السورية، وكيف تحول أطفالها إلى هياكل عظمية، بسبب الحصار وسياسة التجويع، وراح المغردون يتداولون التغريدات تارة يدعون لهم، وتارة يدعون على من كان السبب في ذلك، وهنا نتساءل هل باتت أعيننا ترى الحقيقة وأبعاد هذه الأمور أم أننا مازلنا نعيش دوامة المجهول والخوف من فتح أعيننا في الظلام..
والأمر لا يقتصر على هذه البلدة في سوريا، فالكوارث الإنسانية تحط في بلادنا العربية في كل مكان، وها هي «تعز» في اليمن تعيش أيضاً كارثة إنسانية رغم المحاولات لإنقاذها، والحكاية ليست حكاية جوع ولا غذاء ولا دواء، بل هي حكاية طفل فقد طفولته، فمن يرجعها له، فهذه الصعاب التي مر بها هؤلاء الأطفال ماذا سيعوضهم عنها، وأي حكاية ستحكى لهم في المستقبل تنسيهم ما حل بهم.
مع كل هذا فقد أصبحت الشعوب العربية مترقبة لما سيحدث غداً وأي الأحداث، التي ستظهر لتؤلمنا، إن كانت القضية في الأراضي المحتلة وانتفاضة السكاكين، أم هي قضية حضارة تهدم في العراق أم هي قضية إنسانية في سوريا أم هي قضية تنازع في اليمن، والشعوب العربية تقف حائرة في أمرها..
ومن بعدها تتناول حبة «مسكن» لوجع الرأس ومخدر للآلام، لنتخطى أيامنا وأحداثنا ونتناسى جروحنا، ولو أن جروحنا باتت لا تؤلمنا فقد تعودت أجسادنا كما تعودت قلوبنا لتتحمل هذه الصور من دون أن ترف أعيننا أو تنزف قلوبنا كما كنا سابقاً.
الشعوب العربية، التي كانت مرهفة المشاعر تبكي على أقل الأحداث، والدموع تغرق البيت لمجرد مشاهدة فيلم رومانسي، أو سماع قصيدة شعر أو قراءة رواية، وما كان يبكينا إلا عثرات الزمان ودموع الأقدار، والآن تحولت الصورة، التي أصبح فيها الحزن والدموع هو أغلبها والابتسامة والفرحة هو ما ينقصها.
حمامة سلام البعض يراها مستحيلة في هذه الأيام، في ظل ما نشهده من مشاحنات في كل مكان، حتى وصل الحال لحياتنا الافتراضية فلو جلست تراقب ما يكتب على وسائل التواصل الاجتماعي فستجد أن الحرب العالمية السادسة قائمة لا الثالثة ولا الرابعة ولا حتى الخامسة، فجميعها انتهت من زمان، لكن بلغة العصر وبلغة التكنولوجيا.
وأصبحت أدواتنا «الهاشتاغ والمنشن» بدلاً من السلاح، فتجد المغردين أنفسهم يترحموا على أناس، ويسبون ويشتمون أناس آخرين، وإلى أين ستؤول هذه الحكاية لا أحد يعلم؟
حمامة سلام تطير في سماء وطننا العربي من المحيط إلى الخليج، لتنعم أمتنا العربية بالسلام، ونتساءل من هو الشخص أو المؤسسة القادرة على أن تضع حجر الأساس لهذه الرسالة، التي كلما عجّلنا بنشرها حقنّا دماء وأنقذنا أرواحاً وحمينا تاريخاً وحضارة أمم، فحمامة سلام تحتاج إلى مؤسسات عربية قادرة أن تبث رسائلها في كل مكان لتدعو إلى التسامح..
وتحتاج إلى مؤسسة إعلامية تتبنى هذا الموقف، وتحارب من أجل انتشاره لتحمي مستقبلنا، ونحمي أمتنا من ضياع الإنسانية التي بدأت تتلاشى رويداً رويداً.
مقالتي للنفوس المريضة، التي جعلت من الكرسيّ والمنصب سلاحاً يقتل الأبرياء، وجعلت من جثث الأطفال منبراً يتحدثون عليه، وجعلت من بكاء النساء أصواتاً يطربون عليها وألماً. يشاهد هؤلاء كل هذه الصور المؤلمة، التي تتواجد في كل مكان، ألم يجلسوا يوماً أمام شاشات تلفازهم مع عائلاتهم، وهم اليوم يحرمون الآخرين منها، ألم يتفكروا في أن الظالم يعاقب في الأرض قبل عقاب السماء.
نحن نحمد الله أننا نعيش في دولة الأمان، دولة الإمارات العربية المتحدة، التي تسير على جميع الصعد في اتجاه الرقي وبناء الحضارة، ولا تتناسى دورها الإنساني، وتجوب الأرض من أجل مساعدة الآخرين والمحتاجين والمنكوبين والمتضررين من الحروب، وها هو الهلال الأحمر الإماراتي بتوجيهات أصحاب السمو شيوخ الدولة يلبي النداء في اليمن، ومن قبلها في سوريا، وغزة، ويساعد المحتاجين ويبني المدارس، محاولاً أن يرسم مستقبلاً واضحاً لأطفال الأمة.
الأطفال الذين صرخوا ظلماً، واليوم يصرخون جوعاً، وغداً سوف يصرخون جهلاً، وفي المستقبل سنقول كيف نشأ هؤلاء، وكيف خرجوا عن ملتنا وعن ديننا، ودائماً ما نقول: إن الجاهل عدو نفسه، وهو بالفعل عدو نفسه، وسيصبح عدواً للآخرين.
هؤلاء الأطفال وحتى الكبار الذين تنشر صورهم إما قتلى وإما جوعى، فلديهم من أخواتهم أو أبنائهم ممن سيعيشون، ومن سيكبرون، وستبقى صورهم خالدة في نفوسهم، وستبقى نفوسهم مبنية على العنف والقتل والدمار. حمامة سلام لا استسلام، فدعوتي لأن نحارب العنف بين البشر..
وإيجاد سياسة تعليمية تثقيفية لنشر الوعي بأن التسامح هو الحياة في الغد، وأن نحمي أطفالنا في بيوتنا قبل شوارعنا ومدارسنا، وأن نختار لهم ما نريد أن نراه عليهم في المستقبل، وأن نعلمهم أن ديننا دين السلام.