حرصت الإمارات دوماً، وما زالت، على أن تكون منارة للخير، ساعية إلى بذله، وحددت معركتها الأساس في البناء لا الهدم، كما حرصت دوماً، وما زالت، أن تكون مسيرتها في البناء والتنمية شاملة..
بحيث لا تغلق أبواب النفع والنماء دون محيطها الإقليمي أو العالمي، كيف لا، وهي عاصمة البذل الإنساني، ومتكاملة، بمعنى أن تكون خططها ذات نسق منسجم عبر فرق العمل، فضلاً عن أهمية العمل المنظم البعيد عن العشوائية، الذي قد يسير في خطوط متداخلة، أو الموسمية التي تنطلق على فترات زمنية متباعدة، ثم تخبو، وتبحث عن المحصلة، فتجدها قليلة، أو لا تكاد تذكر.
آية ذلك والشاهد عليه، هو توجيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، بتحويل القمة الحكومية من حدث عالمي إلى مؤسسة عالمية، تعمل على مدار العام، وهو ما يعكس، بوضوح، جوهر الهدف من هذه القمة.
إن هذا التوجيه يمثل تكريساً للعمل الجماعي، بعيداً عن الفردية التي قد تمثل أفكارها وميضاً لامعاً أحياناً، غير أنه لا يلبي طموحات أصحاب الهمم العالية والمشاريع الكبرى، التي تؤثر في حياة شعبهم والشعوب من حولهم.
وعالمية القمة في دلالتها، التأكيد بالأعمال لا بالأقوال، إن نقاط التلاقي والتعاون بين حكومات العالم وشعوبها كثيرة، وإن ثمارها سيستفيد منها الجميع، وإن دائرة التقارب أوسع من جبهات التناحر..
وإن التسابق في البناء أهم وأجدى وأوفر من التسابق في التسلح، وإن العمل لإسعاد الشعوب هو غاية سامية، الحرص عليها يتطلب أن تتوافر بيئة للإبداع تتسابق فيها فرق العمل المبدعة، التي ترى أفكارها تطبق وتلمس آثارها.
إن الحضارات الإنسانية قامت على التباين في الفكر وفي سبل العيش، غير أن هذا التباين، يكون مصدر للرفاه الإنساني حين تتلاقح الأفكار وتتكاتف الجهود لغايات سامية..
ولا شك أن تحويل القمة الحكومية إلى مؤسسة عالمية، يمثل أهم عمليات التلاقح الفكري بين البشر، بما يعم بالخير على البشرية، خاصة أن الإنسان في مسيرته لا بد أن يهتدي بتجارب الآخرين، ولا يمكن أن نكون خبراتنا عبر تجارب ذاتية، وإلا سيحتاج الفرد إلى مئات السنين، وهو ما يجعل من نقل تجارب بعضنا البعض، وفرة في الجهد والمال والوقت، في عصر تتسارع وتيرة أحداثه.
إننا في عالم تقاربت حدوده، ليست الجغرافية فحسب، بل الثقافية والاقتصادية، للدرجة التي لم يعد ممكناً أن يعيش البعض منعزلاً عن الآخرين، والحالة الصينية خير دليل، لأن تداعيات ما يحدث في أقصى المعمورة، يتأثر به من يعيش في أدناها..
وإذا كان الأمر على هذا النحو، فلم لا نكون شركاء في الارتقاء بحياة شعوبنا والتخطيط لمستقبلنا وتناقل خبراتنا لنعيش في عالم رحب أكثر سعادة، إنها دعوة للتكاتف العالمي، لتحمل المسؤولية تجاه التحديات التي تواجه شعوبنا في طريقها للتنمية، كما أنها الفرصة الأمثل للتواصل البنّاء الذي تنتفي معه كل أسباب الفرقة والتعصب والتناحر والتصارع.
تلك هي، في تقديري، فلسفة قيادتنا الرشيدة في تثبيت دعائم تلك القمة، التي كانت فريدة حين تم إطلاقها، وفريدة حين تحولت إلى مناسبة سنوية، وفريدة حين لم تستثنِ شباب العاملين في المؤسسات الحكومية، وفريدة حين فتحت أبوابها لكافة الحكومات من العالم شرقه وغربه، وفريدة حين تحولت من قمة سنوية إلى مؤسسة عالمية لها أهداف واضحة وآليات لتحقيق تلك الأهداف.
إن تحويل القمة الحكومية إلى مؤسسة عالمية، تمثل إرادة حقيقية للخروج بها من فعالية سنوية، تحتشد فيها أكبر الخبرات وأرفع المهارات لتبادل الخبرات وتلاقح الأفكار لعدة أيام، رغم أهمية ذلك، ثم تنفض، لتكون بيتاً للخبرة الدولية، ومركزاً دائماً للبحث العلمي، واستشراف آفاق التقدم والارتقاء بالإنسان..
ولا يقل ذلك عن بناء عشرات المصانع، إن لم تكن تفوقه، وقد غدت البوتقة التي سينطلق منها الفكر، ليتحول إلى واقع يستفيد منه الناس، وهو ما أكد عليه خبراء التنمية، حين قالوا خطِّط عاماً ثم نفذ في أيام، وهو تعظيم للفكرة حين تسبق التنفيذ، كما أن قوة الأعمال تأتي من قوة فكرها وفلسفتها.
وهو تأكيد على أن العمل الحكومي لا يمكن أن يكون ناجعاً، دون الاستناد إلى فكر قوي مبدع، وفرق عمل قادرة على التكامل لا التداخل، والانطلاق بالفكر، حتى وإن تعلق بقضايا وطنية إلى العالمية، وهو ما يؤكد ثقة القيادة في قدرات أبناء الوطن، والاعتزاز بما لدينا من خبرات وإمكانات، جعلت ما تقوم به الإمارات وما تطلقه من مبادرات، محط أنظار وترقب من الكثيرين.
وهي محصلة سنوات من العمل الشاق، ومتسقة تماماً مع ما تم من دعوات للتميز ثم الإبداع، ثم الانطلاق بالعمل المبدع إلى النطاق العالمي، وإذا كانت القيادة قد أطلقت أن عام 2016، هو عام الابتكار، فإن مؤسسة القمة الحكومية العالمية، ستكون بإذن الله البوابة الرسمية التي ستنطلق منها كافة الأفكار المبدعة لترى النور، ويعم الخير من عاصمة البذل والعطاء.