في أحدث دعاواهم ومدخلاتهم الفكرية السياسية، جدد زعماء حزب «البيت اليهودي» في إسرائيل التأكيد على خطابهم العدواني التوسعي تجاه العرب عامة .
معظم هذه الدعاوى يتعلق بالاستعصام بفكرة إسرائيل الكبرى؛ التي يظن كثيرون أنها تقادمت وانزوت في الخطاب الصهيوني إلى درك الأفول، ومن ذلك بلا حصر: أنه يتوجب على إسرائيل السيطرة على القدس ودمشق وما بينهما من أراضٍ، والتمدد على ضفتي نهر الأردن وكل الضفة الفلسطينية، وإعادة بناء الهيكل على أنقاض المسجد الأقصى.
يذهب هؤلاء أيضاً إلى أنه لا مكان لدولة فلسطينية في أي مكان من «أرض إسرائيل»، ولا مسوغ البتة للتفاوض مع الفلسطينيين، وأقصى ما يمكنهم التسامح معه أو السماح به في هذا الإطار، هو حد أدنى من الحكم الذاتي لأقاليم منفصلة يعيش فيها الفلسطينيون.
وفي صلب عقيدة البيت اليهودي وأنصاره من غلاة المستوطنين أنه لا حرمة لدماء غير اليهود من المسلمين والمسيحيين وغيرهم. يقول أحد حاخاماتهم أنه لا يجوز السماح بوجود الكنائس على أرض إسرائيل، ولا ينبغي تقديم منفذي إحراق الكنائس والمساجد إلى المحاكمة «.. لأنهم يؤدون فرائض شرعية..».
أصحاب هذه الرؤى ليسوا جماعة هامشية شاردة عن صلب التجمع الاستيطاني الصهيوني في فلسطين.. إنهم متنفذون مرموقون في واحد من الأحزاب المشاركة بثلاثة وزراء في الائتلاف الحاكم هناك.
وينسب الجانب الأكبر من الأقوال المذكورة أعلاه إلى زعيمهم نفتالي بينيت؛ الذي يشغل منصب وزير التربية والتعليم في هذا الائتلاف، وسبق أن تبوأ المقعد ذاته في كل من وزارة الاقتصاد ووزارة الخدمات الدينية والمدنية ووزارة القدس والشتات، وكان وما زال عضواً قيادياً كبيراً في مجلس الاستيطان.
لا مجال للحديث عن المصادفة أو العفوية في كلام هذا الرجل؛ الذي يدافع عن مشروع إسرائيل من البحر إلى ما بعد النهر،على رأس وزارة التعليم، فهو صال وجال وساوم، حتى يحظى بالمقعد الذي يمكنه من التعامل المباشر مع الناشئة والإشراف على ما يتلقونه من تاريخ مزور وثقافة مسمومة.
لا يخجل بينيت ومحازبوه وبقية القوى الموصوفة باليمينية داخل حكومة نتانياهو وخارجها، من بسط رؤاهم المحشوة بالتطرف والتمييز العنصري الفج على الملأ.
يقول أحدهم «.. إن الحاخام موشيه بن ميمون، الذي عاش في القرن الميلادي الثاني عشر ويعد أبرز المرجعيات اليهودية، قد أفتى بأن المسيحية ضرب من ضروب الوثنية، ما يعني أن السماح لهذه الديانة بالعمل في إسرائيل يعد مخالفة شرعية..»!
هذا غيض من فيض الغثاء والانحطاط الذي يتخلل المعالجة الإسرائيلية الرسمية للملفات السياسية على مختلف الصعد، الفلسطيني منها بشكل استثنائي. والذي لا مراء فيه أن هذا الخطاب يقع بين أمهات الذرائع، التي يتدثر بها الموسومون بالتطرف والغلو ومحاولة تديين الصراع، ويكسبون بها أنصاراً وأتباعاً.
نود القول إن القوى الصهيونية القحة، الماكثة في قلب السياسة والحكم في تل أبيب رغم عكوفها على خرافة إسرائيل الكبرى، مسؤولة فكرياً وحركياً عن تأجيج جذوة الغضب التاريخي الفلسطيني، وربما العربي والإسلامي أيضاً، تجاه المشروع الصهيوني برمته، ولو أراد نتانياهو وحكومته التوجه إلى التسوية مع قوى «الاعتدال الفلسطيني» بقلب سليم، لتخفف من الحمولة العفنة التي تمثلها هذه القوى في هذه الحكومة.