الذين يرون أن ردة الفعل الإيرانية تجاه الحكم على نمر باقر النمر بالإعدام وتنفيذه غير طبيعية مخطئون، فلو لم تصدر مثل ردة الفعل هذه من النظام الإيراني لظننا لوهلة أن الحكم الذي صدر ضد هذا المواطن السعودي ظالم، وأن إعدامه كان خطأ كبيراً..
ولكان موقف الذين يعارضون الحكم وتنفيذه أقوى، لكنّ ردة الفعل الإيرانية جعلت من الحكم وتنفيذه منطقياً وعادلاً، لأنه عندما تصدر دولة ما حكماً ضد مواطن من مواطنيها، وتتهمه بالعمالة لدولة أخرى، وتأتي ردة فعل الدولة المتهم هذا المواطن بالعمالة لها على هذا النحو، فهذا يعني أنه عميل لتلك الدولة، خائن لوطنه وأهله وشعبه فعلا..
وإلا فما الذي يدفع دولة للاعتراض على حكم تصدره دولة أخرى ضد مواطن من مواطنيها، وتصل ردة فعلها إلى درجة التشنج التي رأيناها في الموقف الإيراني، ومهاجمة سفارة المملكة العربية السعودية في طهران ونهبها وحرقها، وإشعال النيران في القنصلية السعودية بمشهد، وإسقاط العلم السعودي من فوق مبناها، الأمر الذي يخالف كل المواثيق والأعراف الدولية؟.
ما الذي يدفع دولة كبيرة في حجم إيران، من المفترض أنها ذات تاريخ وحضارة، إلى التصرف بغوغائية وأسلوب العصابات لا الدول، والمراهنة على الأحصنة الخاسرة، وتشكيل ودعم الميليشيات المسلحة، ودفعها إلى التمرد على أنظمة الحكم في بلدانها؟.
أسئلة كثيرة من هذا النوع يمكن أن تُطرح في هذا المقام، وأجوبة كثيرة يمكن أن ترد على هذه الأسئلة، وفي تعامل إيران مع موضوع إعدام الإرهابي نمر النمر خير مثال على الدولة المثيرة للمشاكل والجدل، التي تريد أن تمد يدها خارج حدودها لتعبث في أراضي جيرانها والبعيدين عنها، وتدبر المؤامرات ضدهم، وتسلح المعارضين الطائفيين ضد أنظمة الحكم في دولهم..
وتستخدم عملاءها لدعم حلفائها بتوجه طائفي لا يخفى على أحد، فمن بين 47 إرهابياً ومتطرفاً، أغلبهم من السنة، أعدمتهم المملكة العربية السعودية بعد أن ثبت قيامهم بأعمال إرهابية وإشعال فتنة طائفية، لم تجد إيران سوى نمر باقر النمر كي تجعل منه مجاهداً وبطلا، لا... لسبب سوى أنه شيعي يحرض الشيعة في السعودية والبحرين على الثورة ومعارضة أنظمة الحكم في هذين البلدين العربيين، ثم مضت في حملتها المناصرة له إلى درجة أنها أطلقت اسمه على أحد الشوارع المجاورة للقنصلية السعودية في مدينة مشهد الإيرانية، ومنحته لقب «آية الله» في تحدٍّ سافر، وتدخل مباشر في شؤون جيرانها العرب.
حقوق الإنسان التي تتشدق بها إيران ليست إلا ذريعة لإثارة الزوابع، والتدخل في شؤون الدول الأخرى..
وإلا فإن سجل إيران في مجال انتهاك حقوق الإنسان كبير وأسود، بينما نمر النمر الذي تدعي إيران أن حقوقه قد انتُهِكت كان محرضا أكبر ضد الحكومة السعودية، في حين كان يدرس أبناؤه الثلاثة على حساب حكومة المملكة العربية السعودية في الولايات المتحدة الأميركية، ضمن برنامج خادم الحرمين الشريفين..
كما تكفلت المملكة بمصروفات علاج زوجته عندما أصيبت بمرض عضال، ونقلتها برفقة شقيقها إلى الولايات المتحدة للعلاج، إلى أن توفاها الله، في الوقت الذي كان فيه زوجها يكيل السباب لآل سعود، ويتآمر على أمن المملكة، ويقود عملا مسلحا ضدها، ويحرض الطائفة الشيعية في السعودية والبحرين على حمل السلاح، وقلب أنظمة الحكم في هذين البلدين العربيين.
لماذا استمرأ نمر النمر مهاجمة الحكم في السعودية، ولماذا دعمته إيران، ومضت إلى آخر الشوط في ذلك، ولماذا كان القرار السعودي بوضع حد لهذا العبث الذي تمارسه إيران عبر مواطن سعودي مدفوع بنزعات مذهبية، ولماذا كان الموقف الإيراني متشنجاً إلى هذه الدرجة؟.
ربما تكون هذه هي الأسئلة التي يجب أن نتوقف عندها، لنخرج بتحليل منطقي لما حدث عندما نفذت المملكة العربية السعودية حكم الإعدام في المواطن السعودي نمر النمر، الذي استمرأ معارضة النظام، واستقوى بإيران معتقداً أن لها نفوذاً يفوق قوة نفوذ القانون في بلده.
لقد وجدت السلطات السعودية نفسها أمام مفترق طرق، وأن عليها أن تتخذ قراراً بالمضي في تطبيق قوانينها، والحكم على كل مستهتر بأمن البلاد بما يستحقه من عقوبة، والمضي في تنفيذ هذه العقوبة، أو أن تفلت الأمور من يدها، وتعم الفوضى البلاد، ويخرج الأمر عن السيطرة..
وكان القرار الأول هو الأرجح، حيث فعّلت المملكة قوانينها ونفذتها، ووجد الإرهابي نمر النمر نفسه مداناً ومحكوماً عليه بالإعدام، وأخذ الحكم طريقه للتنفيذ. فما الذي حدث بعد ذلك؟.
الذي حدث هو أن إيران المغرورة بقوتها، المسكونة بحلم الهيمنة على المنطقة العربية، أُسقِط في يدها، واكتشفت أن جيرانها لا يكترثون بتهديداتها، خاصة بعد الهزائم التي مُني بها عملاؤها الحوثيون في اليمن، فشعرت أن صورتها قد اهتزت..
وأن شبه الجزيرة العربية ليست هي الإقليم الذي يمكن أن تفرض سيطرتها عليه، وأنها لا يمكن أن تنتصر في هذه الساحة، حتى لو كانت قد حققت انتصارات في ساحات أخرى، نتيجة ظروف معينة، كما حدث في العراق الذي فتته الاحتلال الأميركي، وقدمه على طبق من ذهب للنظام الإيراني..
وكما حدث في سوريا التي تقاسمت النفوذ فيها الدول الكبرى، وكان لإيران نصيبها منها بوقوفها مع نظام بشار الأسد الذي عرف كيف يدير الدفة لصالحه، ويلعب على توازن القوى المتصارعة فوق التراب السوري. لهذا نقول إن ردة الفعل الإيرانية طبيعية، لأن الذين تنمّروا قُبِروا.