ساعات قليلة ويطوي العام 2015 صفحاته ليرحل ويفتح الباب أمام عام جديد قد نتفاءل نحن باستقباله حتى ولو كانت المؤشرات جميعها تدفعنا إلى مشاعر بديلة وأحاسيس مختلفة مفعمة بالمرارة جراء ما شاهدنا وعايشنا في العام الآخذ بالرحيل والذي يعد بالفعل عاماً آخر للنسيان.

من الظلم أن نحمله وحده مسؤوليات ما نعيش من هوان وانقسام في أمتنا العربية، فهناك أعوام سبقته كانت هي الأخرى أعواما للنسيان لما جلبته على أوطاننا من حروب وأزمات وويلات وما جرت عليها من مصاعب وكوارث إنسانية، كثير منها بأيدينا لا بأيدي الآخرين.

المشاهد المتتالية في دولنا العربية من إرهاب وصراعات وحروب أهلية واستباحة أراضيها من قوى متعددة وتحويلها إلى ميادين رماية لكل أشكال الأسلحلة تؤكد أن وضعها النهائي لا يسر إلا عدوا، وتؤكد أيضا أننا نعيش في أمة مازالت تتلمس خطاها نحو وضع إستراتيجي يحفظ كيانها، أمة تفتقد إلى منظومة متكاملة وواضحة المعالم للأمن القومي بما يحمي مصالحها في مواجهة الأزمات الداخلية الطارئة والتدخلات الخارجية التخريبية.

الحديث عن وضع استراتيجي واضح المعالم بالمنطقة أقرب ما يكون إلى مطاردة «الزئبق»، تستطيع أن تراه وتلاحقه ولكن من المتعذر الإمساك به، وهي حقيقة تتفق وطبيعة الأوضاع والسياسات الجارية في المنطقة العربية على وجه التحديد، ما يجعلها عرضة وموضعا للتوترات والأزمات الدائمة بدون ظهور مفهوم واضح للأمن القومي الجماعي الذي يحمي دول وشعوب المنطقة من المخاطر ويحول دون استفحالها قبل أن تتحول إلى أزمات طاحنة.

هذا المفهوم المفقود يعد الأساس الذي يمكن البناء عليه من أي منظومة للتوازن الاستراتيجي في الداخل ومع دول الجوار والقوى العالمية ككل وكذلك في العلاقات البينية، وله أهميته الكبرى في تحديد عناصر القوى بمفهومها الشامل والتي تعد أساسا لحماية الأوطان ومواجهة المخاطر وكذلك إدارة الأزمات الطارئة، ومن هذا المنطلق يمكن القول إن المفهوم الواضح لمنظومة العمل العربي الجماعي يعد المشكلة والحل في الوقت ذاته.

غياب تلك المنظومة يعمق من الخلل الاستراتيجي القائم في المنطقة،ووجوده أو تحديده بوضوح يؤدي إلى تجسير الهوة أو ردمها كلياً بما يحقق التوازن المطلوب، وفي هذا المقام ولإبراز أهمية العمل الجماعي في إقامة استراتيجيات واضحة لتحديد معالم سياسية ثابتة في التعامل مع الكتل العالمية قد يكون من المناسب تقديم بعض النماذج العملية لنجاح هذا التوجه ومن بينها مواقف المجموعة الرباعية الممثلة في اليابان وكوريا الجنوبية والصين وروسيا والتي تتبنى استراتيجية عدم السماح للقوى الأجنبية بالتدخل في مشاكل المنطقة وحل أزماتها الطارئة بالمفاوضات.

وتكرر ذلك بشكل مألوف في التعامل مع الأزمات الكورية الشمالية في ذروة تصاعدها حيث كان الإصرار على التفاوض بعيدا عن التهديد باستخدام القوة التي حاولت دوماً أطراف خارجية كالولايات المتحدة فرضها على المنطقة.

يعتبر الاتحاد الأوروبي على رأس الكتل العالمية التي تتبنى استراتيجية واضحة لها ثوابت دائمة لا تتغير، تمثل أسساً تنطلق من ضرورات ومحددات الأمن القومي، وقد ظهر ذلك جلياً في العمل الجماعي الأوروبي تجاه أزمة أوكرانيا وكذلك تجاه مشكلة الهجرة غير الشرعية وتدفق اللاجئين والتنسيق في قضايا الإرهاب وسوريا وليبيا.

وحتى على المستوى الاقتصادي تجلت أهمية العمل الجماعي الأوروبي في خطط الإنقاذ العاجلة بمئات المليارات من الدولارات للحيلولة دون انهيار وإفلاس عدد من الدول الأعضاء في الاتحاد كاليونان مثلا، وقد تحرك الاتحاد الأوروبي على هذا النحو لإدراكه جيدا أن مثل تلك الخطط هي جزء لا ينفصل عن استراتيجية حماية أمنه القومي.

تختلف الصورة على الصعيد العربي حيث لم تتجسد معالم العمل العربي الجماعي إلا في مناسبات محدودة جدا، وبالنسبة للتحالفات أو الإندماجات الجغرافية يظل مجلس التعاون الخليجي هو النموذج الأبرز والأكثر نجاحاً، ومرد ذلك أساساً وضوح فكرته وأهدافه ومنطلقات عمله، وتجلى ذلك بوضوح في التعامل مع الأزمة اليمنية.

وعدا ذلك يصعب الحديث عن عمل عربي جماعي يمثل أساساً لإقامة توازن استراتيجي حقيقي مع مختلف القوى الخارجية والإقليمية، برغم المشتركات الثقافية والدينية التي تسهل ذلك وأيضا أسبقية التجربة العربية التي تعود لعقود طويلة مضت.

إلا أن قوى التعطيل الخارجية لعبت دورا تخريبيا جعل الحديث عن توازن استراتيجي في المنطقة ضربا من الخيال، ويرصد عدد من المحللين الاستراتيجيين أسباباً عدة لذلك من أهمها طبيعة النظرة السائدة حول منطقة الشرق الأوسط باعتبارها منطقة مصالح حيوية للولايات المتحدة والقوى الكبرى، فضلاً عن أنها تعاني العديد من التوترات بين أطرافها مما يضع المنطقة أمام تحديات كبيرة ومعقدة.

الشيء المهم في الحديث عن هذه الضغوط الخارجية المكثفة أنها تعد في مقدمة عوامل تغييب العمل العربي الجماعي الكفيل بتحقيق مصالح الأمة العربية من منطلقات ذاتية بعيداً عن العبث الخارجي، وستظل تلك الضغوط متصاعدة، وقد تجلى ذلك في معظم أحداث 2015 وأغلب الظن أنه سيستمر في 2016.