باعتباره خط الدفاع الأول في الدفاع عما حققته دولتنا من مكتسبات، وباعتباره الثروة الحقيقية التي لا تنضب، بل هي الثروة التي تتجدد مع كل فكرة جديدة من عقل نير في أي مرحلة على سلم التعليم، كما أنه الاستثمار المحكوم بنجاحه حتماً، وهو الباب الواسع لتقدم الأمم وارتقائها على سلم الرفاه الحضاري.

كما أنه المضمار الذي تتسابق فيه الأمم والشعوب للوصول إلى ذروة سنام الحضارة الإنسانية، فلا حضارة ولا تقدم بدون علم، ولا علم حقيقياً دون تعليم متين، ولا تعليم متيناً دون إدراك لدوره في حياة الإنسان، وتوظيفه في حل ما يواجهه من مشكلات، ويجابهه من تحديات، ولا قدرة للتعليم على فعل ذلك، دون وضع برامج تعليمية ومناهج معنية ببناء الشخصية، في الوقت الذي تزوده فيه بالمعلومة وتكسبه المهارة.

ولأن الأمر على هذا النحو، فإن تطلعاتي، وإن شئت الدقة، من أمنياتي لعام 2016، أن يكون المخرج التعليمي، وبخاصة في مراحله الأولى، قادر على تلبية طموحات القيادة السياسية الرشيدة، التي تدفع بزخم شديد على طريق الارتقاء بمنظومته.

أمنياتي أن يدرك العاملون بالحقل التعليمي، أنهم يشاركون بمخرجاتهم في صناعة مستقبل الوطن، لأن أطفال اليوم هم كبار الغد، وعلى قدر علمهم، يكون مستوى عملهم، وما يحملونه من صفات إنسانية ومهارات نوعية، تحدد قيمة ما يقدمونه وجودته، وأن الطفل في مراحل تعلمه المختلفة، يقضي في مدرسته ومع معلميه وقتاً أضعاف ما يمكثه مع أفراد أسرته، ما يضاعف من تأثيرهم، فلتكن التنشئة موازية للتعليم.

رغم الاتجاه إلى الحداثة واستخدام التكنولوجيا في التعليم، إلا أنه يجب أن تكون التكنولوجيا معظمة، لما يكتسبه الطالب لا تخصم من رصيده على أهميتها، الشاهد، أن الاعتماد على لوحة المفاتيح في الكتابة، ضاعت معه مهارات الكتابة بخط اليد، فضلاً عن الكتابة الصحيحة، في ظل الاعتماد على المصحح اللغوي خلال الكتابة، وهو ما يربك الطالب في الجامعة حين يقدم طلباً، أو يعبر عن موقف مر به، وتطالبه أن يكتب ذلك.

إن الحصص الخاصة بالخط العربي، يجب أن تعود، لأن الخط العربي لا يستخدم للكتابة فحسب، ولكن مجاله واسع في تخصصات التصميم الغرافيكي والفنون الجميلة، فكيف بمن يعوزه التعبير به أن يرى فيه جمالاً، وهذا لن يتأتى إلا إذا شعر الطالب بجمال اللغة، وجمالها لن يعرفه من لم يقرأ، فالقراءة هي الباب الواسع لحب العربية وإدراك كنوزها، لذا، وجب أن تعود حصة المكتبة، حتى لو لم يخرج الطالب منها بغير قراءة عناوين الكتب، فمن يقرأ العنوان، حتماً يوماً سيقف عند أحدها ليستكشف محتواه، لتبدأ الحكاية.

ولأن من يدرك الجمال في الحياة والكون وحركة الناس من حوله، يصعب أن تجده يوماً فريسة للفوضى والتعــــــصب، لذا، وجب أن يعاد الاهتمام بالتربية الفـــــنية التي تهـــذب النفس وترقي الذوق وتضبط السلوك وتنمي الإحساس، وتجعل الفرد قادراً على رؤية محاسن الحياة وتجلياتها وجلال خالقها، فضلاً عن الإذاعة المدرسية، بما تحويه من مواد تنمي لديه مهارات الاتصال والتواصل مع الآخرين، ليكتشف الطالب، ونحن معه، مهارات ومواهب لم يكن لها أن تكون إلا بهذه النشاطات.

والحق أن التطلع إلى المنظومة التعليمية وتمني الارتقاء بها في العام الجديد، ذلك لأن كافة الأمنيات لعام 2016، تجد أنها تبدأ بالتعليم، أو تجده قاسماً مشتركاً أعظم فيها، فمن يتمنى أن تظل الإمارات واحة الأمن وقبلة الباحثين عنه والفارين من أتون التعصب والمحن، لن يكون ذلك إلا عبر تعليم يؤكد أن الأمن أولاً، هو ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين قال: «من بات آمناً في سربه»، ومن يتمنى أن يحفظه الله من كل داء.

فلن يكون ذلك إلا بتعليم قادر على تخريج كفاءات نوعية تملك أدوات عصرها، من دأب البحث والقدرة على الابتكار، إدراكاً منها لقيمة ما تقوم به، لأنه ما قاله الرسول الكريم بعد الأمن «معافى في بدنه»، فعافية الأبدان من متطلبات الاستمتاع بباقي النعم، ومن يتمنى الحياة الرغدة، لن يكون إلا بتعليم يجعل أصحابه قادرين على الفكر المنجز، والعمل المتقن الذي لمسه الناس، وهو ما اختتم به الرسول الكريم «يملك قوت يومه».

بهذه الثلاثية الفذة، الأمن والصحة والغذاء، يستطيع الإنسان أن يقوم بمتطلبات وجوده، ويعي فلسفة إعماره للأرض، ويقيناً أن التعليم حاضر قوي، وحاضن أمين لتحقيقها على الأرض، فالجهل لا ينتج غير الفقر والمرض والتعصب.