بعيداً عن الحروب والمآسي والدماء التي غطت الكرة الأرضية خلال هذا العام، الذي يلملم أوراقه ويوشك على الرحيل غير مأسوف عليه، أحببت أن أختم بهذا الفيلم الذي ترك في نفسي أثراً كبيراً، رغم قصر مدته.
يبدأ الفيلم بلقطة يظهر فيها جرس وساعة تشير إلى ما قبل الثانية عشرة بخمس دقائق، في إشارة لا تخفى فيها الرمزية، ثم تظهر الكاميرا مجموعة من الأرجل يتضح أنها لبشر يتحركون في محطة قطار قروية، ومن بين تلك الأرجل تركز الكاميرا على رجل طفل صغير يرتدي نعلاً قديماً.
تنقطع فردة من النعل فينحني الطفل لالتقاطها، بينما تتساقط من يده أكياس مناديل ورقية، ويتجه إلى صخرة في إحدى زوايا المحطة، يجلس عليها لإصلاح فردة نعله المقطوعة..
بينما يضع إلى جانبه أكياس المناديل الورقية التي نفهم منها أنه يعمل بائعاً متجولاً في محطة القطار.
في هذه اللحظة، وبينما هو منهمك في إصلاح فردة نعله المقطوعة، يمر من أمام الطفل، الذي تبدو عليه سيماء الفقر من الملابس التي يرتديها، طفل في مثل سنه، تظهر على ملابسه آثار الغنى. يتوقف الطفل الغني أمام الطفل الفقير ليمسح حذاءه الأسود الجديد، ثم يتجه مع أسرته للجلوس على صف من الكراسي، انتظاراً للقطار، ويعود إلى مسح حذائه الجديد.
تقطع صافرة القطار على الطفل الفقير متابعة المشهد، بينما الطفل الغني منشغل بمسح حذائه، الأمر الذي يجعل والده يستحثه للإسراع بدخول القطار قبل أن يغادر المحطة، وفي غمرة تدافع الركاب، تنخلع فردة حذاء الطفل من قدمه اليسرى، فلا يستطيع التقاطها، بينما يبدأ القطار في التحرك مغادراً المحطة.
يقوم بائع المناديل الورقية بالتقاط فردة الحذاء المخلوعة، وبعد لحظة تفكير قصيرة ومعبرة، ينطلق خلف القطار محاولاً اللحاق به لوضعها في يد الطفل الغني، الذي كان يقف على الباب ينظر إلى فردة حذائه المخلوعة بحسرة، لكنه يفشل في وضع فردة الحذاء في يده..
ولا يجد أمامه سوى حذفها ناحية القطار لتصطدم بالشباك المغلق وتسقط على رصيف المحطة من جديد، فتصدر منه حركة تدل على الضيق والحسرة.
عندها يقوم الطفل الغني صاحب الحذاء بخلع الفردة التي في قدمه الأخرى، ويحذفها من داخل القطار لتقع على رصيف المحطة قريباً من فردة القدم اليسرى، بينما يقف والده خلفه مبتسماً، ليغلق المشهد على القطار وهو يغادر حاملاً الطفل الغني ملوحاً بيده للطفل الفقير الذي يقف على رصيف المحطة حاملاً فردتي الحذاء الجديد في يده، مبتسماً هو الآخر، وملوحاً بيده للطفل الغني الذي يختفي مع القطار من المشهد.
«فردة شمال»، هو اسم الفيلم القصير البالغة مدته أربع دقائق تقريباً، من إخراج سارة رزيق، وإنتاج المعهد العالي للسينما بأكاديمية الفنون المصرية، وهو حاصل على منحة يوسف شاهين لمشاريع المعهد العالي للسينما. قصة الفيلم مأخوذة عن موقف من حياة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، إذ يحكى أنه كان ذات مرة يجري للحاق بقطار، وقد بدأ القطار بالتحرك..
وعند صعوده سقطت إحدى فردتي حذائه ولم يستطع التقاطها، فما كان منه إلا أن خلع الفردة الثانية ورماها بجوار الأولى على سكة القطار. تعجب مرافقوه وسألوه عما حمله على رمي الفردة الثانية، فقال غاندي، بما عُرف عنه من حكمة: أحببت للفقير الذي يجد الحذاء أن يحصل على الفردتين معاً فينتفع بهما، لأنه لو وجد واحدة فقط فلن يستفيد منها!
في عالم تطغى على مكوناته نزعة الفردية، يصبح الإيثار عملة صعبة، بل نادرة، وتصبح الأنانية هي السمة الغالبة بين البشر، لذلك، فإن إرسال إشارات مضيئة مثل هذه التي شاهدناها في «فردة شمال» ضرورية، كي يفيق الناس من السبات الذي هم فيه، وينتزعوا أنفسهم من القالب الذي فرضته عليهم طبيعة الحياة التي يعيشونها.
وسط هذا اللهاث خلف المادة، تاركين خلفهم قيماً كثيرة، لو تمسكوا بالقليل منها لتغير وجه الحياة من حولهم. لهذا، يأتي «فردة شمال» ليقدم جانباً إيجابياً من الحياة، أصبحنا نفتقده في هذا الزمن، رغم أن البشر مقسومون، منذ أن خلقهم الله، إلى فريقين، فريق يعيش في سعة من العيش، وآخر يعيش في ضيق، لكن هذا لا يعني بالضرورة أن يكون الأول سعيداً والثاني تعيساً، فمقياس السعادة ليس مرتبطاً بالحالة المادية للبشر.
وإنما بالقناعة والرضا بما قسمه الله لنا في هذه الحياة. لذلك، لم تبدُ على وجه الطفل الفقير علامات الضيق عندما فشل في إصلاح فردة نعله المقطوعة، وإنما ظهرت هذه العلامات عندما فشل في اللحاق بالطفل الغني لإعادة فردة حذائه إليه قبل أن يغادر القطار المحطة.
وفي المقابل، كان تصرف الطفل الغني في نهاية الفيلم نبيلاً، عندما خلع فردة حذائه الأخرى ورمى بها خارج القطار، كي يستفيد الطفل الفقير من الفردتين، فقد تخلص من نزعة الأنانية التي غالباً ما تطغى على نفوس البشر في مثل هذه اللحظات.
في الحياة مواقف تكشف دواخلنا، وتضعنا على المحك بين الانتصار لنزعة الإيثار في نفوسنا، أو الخضوع لنزعة الأنانية فيها. هذه المواقف هي التي يجب أن نتذكرها ونحن نودع عاماً ونستقبل عاماً، لأنها الوحيدة القادرة على أن تنسينا الحروب والمآسي والدماء التي تغطي وجه الكرة الأرضية.
عندما يتعانق عقربا الساعة، معلنين بدء عام جديد، اقرعوا أجراس المحبة في نفوسكم، كي يعم السلام الأرض.