نشرت وزارة الخارجية الاسرائيلية مؤخراً تقريراً، يدعي أن المستوطنات الصهيونية في الضفة الفلسطينية شرعية بموجب القانون الدولي، ومما جاء فى التقرير أن «.. إسرائيل لديها دعاوى ملكية صالحة لهذه الأرض، التي يعود التعامل اليهودي معها لآلاف السنين، والحديث عن عدم شرعية استيطانها يتجاهل تعقيد هذه المسألة وتاريخ الأرض وظروفها القانونية الفريدة..».

كثير من الاسرائيليين أنفسهم سخروا من التقرير واستخفوا بجدواه، في عالم يجمع على تجريم استيطان الضفة بصفتها أرضاً محتلة.

لكن لويس مورينو أوكامبو له رأي آخر، ففى محاضرة له بكلية الحقوق بالجامعة العبرية وتصريحات أدلى بها لبعض الصحف الاسرائيلية، أشاد الرجل بصدور هذا التقرير باعتباره «.. إجراء يوضح وجهة نظر اسرائيل، ويفتح نقاشا يجعلنا نفهم بشكل أفضل ماهية الجريمة وكيفية تطبيقها وكيف يمكن ارتكابها..».

أوكامبو، المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بين عامي 2003 و2012، وقبل ذلك المحامي والحقوقي الأرجنتيني ذائع الصيت، وأستاذ القانون الدولي الزائر في جامعتي هارفارد وستانفورد بالولايات المتحدة، وصاحب المؤلفات العديدة حول العدالة وحقوق الانسان، أوكامبو هذا مازال بحاجة الى فهم ماهية جرائم اسرائيل في استيطانها للضفة، وكيف تم تنفيذ هذه الجرائم؟!!..

وهو يتعامى عن تراث متراكم يملأ غرفا؛ يتعلق بموقف القانون الدولي العام والانساني وأطر التنظيم الدولي، وعلى رأسها الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة، الذي يجرم عموم الممارسات والسياسات الاسرائيلية في الضفة.

يتحدث أوكامبو الى الاسرائيليين مرتديا مسوح البراءة والطهرية وعدم الدراية بالشرعية الحقوقية الخاصة بعلاقة سلطات الاحتلال، أي احتلال وكل احتلال، بالأرض المحتلة، فيشير الى ان «.. لدى الاسرائيليين محكمة عدل عليا تحظى باحترام دولي..

ولديهم محامون كبار؛ يمكنهم تقديم حجج مقنعة بين يدي قضية الاستيطان في الضفة..». بل ويذهب الى أبعد من ذلك في نكران تهافت حجية المحكمة الاسرائيلية، باعتبارها جزءا لا يتجزأ من النظام الاستعماري الصهيوني، عندما يقول بأنه «.. اذا قامت اسرائيل ومحكمتها بإجراءات قضائية حقيقية، فإن المحكمة الدولية لن تتدخل..».

إنه يريد أن تحاكم اسرائيل نفسها وكفى الله الفلسطينيين والخلق كلهم شر المحاكم الدولية. وهو يبدأ حكاية اسرائيل مع الاستيطان من نقطة الصفر حين يعتقد أن «.. الفلسطينيين يرون الضفة أرضا محتلة، ويزعم الاسرائيليون أنها أراض متنازع عليها.. وهنا ينبغي اجراء مناقشة حول هذا كله..».

بهذه التعميمات يعزف أوكامبو اللحن الذي تريده اسرائيل حرفيا، ويمارس دور محامي الشيطان. يتجلى هذا الدور بوضوح في ادعائه بأن «.. أي شخص سيقاضي الاسرائيليين بشأن الاستيطان، لن يستطيع إثبات النية الاجرامية، اذا ما بين الاسرائيليون إيمانهم بانسجام أعمالهم مع قرارات محكمتهم العليا، أو أظهروا على الأقل عدم وجود نية لاقتراف جريمة على هذا الأساس..».

يذهب أكامبو الى هذا الدرك الأسفل من لي عنق القانون، جاعلاً من المحكمة الاسرائيلية وقراراتها قلب ميزان العدالة الدولية. ولا ندري ما الذي منعه من الافصاح مباشرة عن رغبته في تعليق مصير قضية الاستيطان على تكييفات هذه المحكمة!.

من حسن طالع الفلسطينيين والعدالة أن أوكامبو غادر رئاسة المحكمة الجنائية الدولية. اذ لا يعلم أحد على وجه اليقين ما الذي كان سيؤول إليه أمر حقوق فلسطينية ظاهرة، فيما لو رفعوا ظلامتهم الى هذه المحكمة تحت رئاسته.