كانت الدقائق تمر بطيئة والملل يفتك بصبره وهو يحاول تصنّع الابتسامة بينما طفلتاه تلهوان على أرجوحة إحدى الحدائق، مرّت عيناه بوجوه أمثاله من الآباء والأمهات الذين ينتظرون مقطّبي الحواجب انتهاء أطفالهم من اللعب وهم يفرقعون أصابعهم، تساءل في نفسه: «لماذا لا يوجد من يمنح جميع أفراد العائلة وقتاً ممتعاً في هذه الأماكن»، بعد مدة كان صاحب الشارب الرفيع يُطلق للدنيا حديقة كانت خُطاي ترتادها قبل ساعات: ديزني لاند!

عندما أصبح «والتر إلياس ديزني» أكثر شخصٍ في تاريخ البشرية يفوز بجوائز الأوسكار «22 مرة» لم يكن ذلك ليأتي وفي فمه ملعقة ذهب أو وجد الأمور «سهالات» لينجح ذلك النجاح، بل طيلة حياته كانت المصاعب تتكالب عليه واليأس يطرق أبوابه دون توقف لكن كل ذلك لم يكسر عزيمته بل على العكس اتخذها شحنات لزيادة حماسه ودروساً مجانية تعلّمها بالطريقة الأكثر إيلاماً، إيجابية مختلفة جعلته يُصرّح بأنّ «كل المصاعب والسقطات جعلتني أقوى، ففي كثير من الأحيان تكون لكمة في الوجه أفضل ما يحصل لك في الحياة»!

لكمة على سبيل المجاز أمّا في الحقيقة فقد كانت سيلاً من اللكمات، فالسيد «والت» كان ابناً لأسرة فقيرة من مدينة كانساس الأميركية تنحدر من أصولٍ أيرلندية وألمانية، ولمساعدة عائلته اضطر بعمر العشر سنوات للعمل بتوزيع الصحف من الرابعة والنصف فجراً حتى قرع جرس مدرسته في التاسعة، ثم تكملة العمل من الرابعة عصراً حتى وقت العشاء ليلاً، وعندما لا يستطيع أطفال الحاضر من وضع حقائبهم المدرسية «مثل الناس» عند عودتهم للمنزل، فإن والت استمر بذلك العمل لمدة ست سنوات!

فقره لم يمكنه من إكمال الثانوية فقرر الانخراط في العسكرية إبّان الحرب العالمية الأولى، لكنّه رفض لصغر سنه، ثم بعد إلحاحه قُبِلَ في الصليب الأحمر وأُرسِلَ لفرنسا كسائق إسعاف، وبعد عودته لم يترك صاحب عمل إلا وتقدّم عنده لكن قوبل بالرفض، وخلال مواظبته على التقدّم تعرّف على رسام الكاريكاتير الموهوب «أوبي إيوريك» وقررا معاً الاستدانة والبدء بعملٍ خاص لكنهما أفلسا بعد فترة قصيرة، ثم عاد للاقتراض من جديد وأسّس شركة «لاف أوغرام» والتي رغم إثارة أعمالها الكارتونية للإعجاب إلا أن ديونها تزايدت قبل أن تُفلِس ويُفلِس معها من جديد!

أيقن «والت» حينها أنه يزرع في المكان الخطأ ويبيع بضاعة في غير سوقها واستمراره بالمكان ذاته سيكرر له النتيجة ذاتها، فقرر الرحيل إلى هوليوود وأنشأ فيها ستوديو جديداً له وتمكن من بيع أول حلقة كارتون لمغامرات أليس بقيمة 1.500 دولار، لكن السلسلة مع الوقت فقدت شعبيتها لعدم تجددها وذاك كان درساً آخر له ولنا بضرورة دوام الابتكار والتغيير قبل أن يحرق المنتَج الناجح نفسه بالتكرار، وهو ما دعاه ليقول في أُخريات حياته «ديزني لاند لن تكتمل أبداً، ستبقى تتطوّر ما دام هناك خيالٌ في هذا العالم»!

بعد ذلك التراجع أطلق الشخصية الكارتونية الشهيرة «أوزوالد الأرنب المحظوظ» والذي حقق نجاحاً مدوياً ظنّ معه أنّ أيام الشقاء قد ولّت، لكن يُؤتى الحَذِر من مأمنه، فثقته بشريكه والتي جعلته يسجل الشخصية وحقوقها باسمه جعلته يخسرها لغدر ذلك الشريك به، كل ذلك لم يحطم أحلام «والت» ولم يجعله يندب حظه كالعجائز والفاشلين من فئة «يا ربي ليش أنا دوم جيه»، فثقته بنفسه كانت أكبر من المثبطات وإيمانه بقدراته الخلاّقة لم تجعله يأبه لانتكاسة في طريق نجاحه، وفي طريقة عودته لمنزله تلك الليلة كانت يداه تعبثان وتخرجان بتصور لشخصية مشابهة أسماها «مورتيمر» قبل أن يغيّرها لاحقاً لتصبح «ميكي ماوس» والتي أصبحت أشهر شخصية كارتونية في التاريخ!

كان «والت» جريئاً في وقت كَثُرَ به المشكّكين والمترددين، ونصيراً متحمساً لأحلامه عندما اكتفى أقرانه بتقليد من سبقهم في كل شيء، وعندما قرر البدء بتصوير فيلم كارتوني كامل عن «بياض الثلج والأقزام السبعة» استماتت عائلته وأصدقاؤه لمنعه لأنّ ذلك لم يحدث من قبل وسيكون مكانه الفشل لا محالة، لكنه واصل عمله لمدة أربع سنوات توقف فيها مرات عدة لاستدانة أموال تسمح له بتكملة العمل، حينها بلغ من حرصه على جودته أن قام بنفسه بتمثيل كل الشخصيات ليتأكد أنها مقنعة له أولاً قبل أن ينتظر أن تُقنع المشاهدين لاحقاً، وعندما أتى يوم إطلاق الفيلم عام 1938 كان النجاح بقدر الجهد والتضحيات وبلغت إيراداته 8 ملايين دولار أي ما يعادل 138 مليوناً حالياً!

بعدها أطلق سلسلة من الأفلام الكارتونية والتي حققت نجاحاً مدوياً، وبدلاً من أن يكتفي بذلك فاجأ رفاقه بفكرة ملاهي ديزني لاند والتي رُفِض طلبه 302 مرة للحصول على قرضٍ لبنائها، وعبثاً حاول من حوله إثنائه عن عزمه والتشكيك بقدرة حديقة كتلك التي يتحدث عنها أن تكون مشروعاً مربحاً، وكما كان صوت «والت» هو صوت ميكي ماوس الأصلي لم يكن غريباً أن يتابع أبسط تفاصيل الحديقة وأن يجرب بنفسه لمرات عدة كل الألعاب للتأكد أنها تحمل روحه وتتفق مع أحلامه، تلك الأحلام التي جعلت ديزني لاند تحقق أرباحاً تجاوزت الثمانية مليارات العام الماضي وأن يعمل بها 180 ألف موظف!

إن قصة والت ديزني مثالٌ على الطموح الذي لا يخبو والثقة بالنفس التي لا تهتز مهما عارضتها العراقيل وتناوشها المشككون، فالفاشلون دوماً يريدون البقية مثلهم في الفشل حتى لا يكشف نجاح الموهوب حجم «خيبتهم» أمام الجميع، وبقدر التضحيات يكون النجاح، وبحجم الأحلام وجرأتها ومخالفتها للمألوف يكون التميّز عن بقية السرب، فقبل «والت» مرّ الآلاف من الآباء والأمهات بتلك الحديقة لكنهم لم يصنعوا شيئاً سوى فرقعة الأصابع وتقطيب الحواجب!