أغلبية مظلومة وأقلية ظالمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

منذ العام الأول للثورة السورية، طورت بعض الاتجاهات المذهبية، نظرة رأت فيها صراعاً وجودياً بين أغلبية مظلومة، وأقلية ظالمة، يستحيل حسمه بغير السلاح، ولا محل فيه للسياسة، لكونها تقوم على التسويات والحلول الوسط، والتدرج المرحلي، ومن شأنها أن تفشل الثورة، وتضيّع أهدافها.

هذه النظرة، التي اعتقد أصحابها أنها تتسم بطابع بديهي، كونها سلمة منطقية، اعتبرت السياسيين خونة يجب أن يبقوا «تحت العين واليد»، وإلا بحثوا عن حل سلمي طرفه الآخر النظام، وغرسوا خنجرهم في ظهر الشعب، وفوتوا عليه فرصة إنزال هزيمة ماحقة بالسلطة وأهلها، وبلوغ حريته، التي تعني إبادة «عدوه» بالقوة.

وكان النظام السوري قد نشر طيلة نصف القرن، نظرة طائفية، هي الوجه الآخر لهذه النظرة، غرسها بعمق في لا وعي أتباعه، وخاصة المسلحين والمؤدلجين منهم، رفضت بدورها السياسة ناظماً لعلاقات سلطته بمواطنيه.

من هنا، غدا رفض السياسة ظاهرة «ثورية» في نظر المعارضة المتعسكرة «ممانعة وصمودية» بالنسبة للسلطة، فتح غيابها، باب صراع وجودي، اتسم بقدر مخيف من العنف، تعاظم إلى أن أخذ شكل «تناف متبادل»، جعل انتصار أحد الطرفين مساوياً لإبادة الطرف الآخر. في ظل هذه النظرة، وبسبب ما ترتب عليها من عنف، بدت سوريا وكأنها تنتقل من ثورة الحرية إلى حال من الجنون المطبق، هدفه الوحيد، القتل، ولا شيء سواه.

إذا كانت السياسة ممنوعة بقوة السلاح، وكان الحل السياسي خيانة موصوفة، أي حديث يبقى عن الثمن الذي قد يتطلبه تحقيقه؟ ومن الذي سيجد في نفسه الجرأة على المطالبة بحل سياسي، يشارك فيه من صار «عدواً»، اسمه عند المعارضة «النظام»، وعند النظام «الإرهاب»؟

من يستطيع إقناع تنظيمات القتل على الجانبين بحل سياسي، يتطلب وجود الآخر لا إبادته، والاعتراف بانتمائه إلى مكون وطني، هو جزء من شعب سوريا، الذي يتكون من تشكيلات، يعد إنكار هويتها الوطنية أو مجرد إخراجها من صف الوطنية، خطأ قاتلاً، يهدد وجود شعبنا ودولتنا، وخروجاً على القوانين الوطنية والدولية، التي تمنح المنتمين إليه حقوقاً طبيعية مساوية لما تمنحه لغيرهم من السوريين.

تراجعت نظرية الإبادة المتبادلة عند كثيرين من حملة السلاح، بعد أن كشفت تطبيقاتها السلطوية و«الداعشية»، الفظاعات التي ترتبت عليها، وبقي النظام وحده متمسكاً بها.

بالمقابل، لم تتراجع بالقدر نفسه، النظرة التي تمخضت عنها، وساوت بين السياسة والخيانة، وبين الحلول السياسية، والتخلي عما أسموه «ثورة الأمة» وأهدافها، ولم تعم الرؤية، التي تقدمها وثيقة جنيف..

وترى أن يكون الحل سياسياً ومتدرجاً، أي مرحلياً، إذا كنا نريد حقاً النجاة في عالم لا يحفل كثيراً بنا، استخدمنا في تصفية حسابات دولية وإقليمية، يعني استمرارها إكمال تصفية شعبنا جسدياً وهلاكه، وتحول ثورة الحرية السلمية، إلى ثورة مضادة، ترفض السياسة، وتعبد السلاح، شعبنا ضحيتها الأكبر.

لا يعني الثمن المطلوب للحل، تخلينا عن أهدافنا، أو تنازلنا عن مبادئنا، بل يعني التمسك بها، كمآل أخير لنضالنا، والقبول بتحقيقها على مراحل، أولها وأساسها، رحيل الأسد ونظامه. إنه «ثمن» مجازي، تمليه استحالة واقعية، تتجلى في عجزنا عن تحقيق أهداف ثورتنا دفعة واحدة، وحتمية أن نترجمها إلى مراحل مترابطة، تتصاعد إلى أن تبلغ نهايتها المنشودة.

لا يضمر هذا الفهم للمرحلية، تقديم تنازلات للخصم والركوع أمامه، وبالمقابل، لا تعني الثورية، التعلق بأوهام عن حل صاف، نقي ولا شائبة فيه، يحقق جميع طموحاتنا بين عشية وضحاها، يمكننا بلوغه عبر ما نحن متورطون فيه من صراع متعدد الأطراف، تتشابك فيه تناقضات ومصالح عربية وإقليمية ودولية، تتحدى قدرتنا على بلورة مخرج مستقل منه، ينهي المعضلة التي تعصف بوجودنا..

ويلبي جميع مصالحنا، كأننا الطرف الوحيد في الصراع، الذي يمسك بجميع مفاتيحه ومفاصله، أو كأن أي ثمن ندفعه للحل، سيكون أفدح من تمزيق وقتل شعبنا، وتقسيم وطننا، والإجهاز على دولتنا، وتعرضنا لكارثة هي الأفظع بين كل ما حل بنا وبالعرب من كوارث، قديماً وحديثاً.

بالتخلي عن وهم أقنع كثيرين منا بإمكانية تحقيق أهدافنا بالسلاح أو دفعة واحدة، يصير من الوطنية والولاء للشعب، تلمس السبل التي سيجتازها التحقيق المرحلي، التدريجي والمتقطع، لأهدافنا ولثورتنا، والتوسطات التي سيمر بها كيلا نرضخ تماماً لما قد يقرره الآخرون له، ونعجز عن إبقاء معارضة الحل، ضمن حدود تحول دون فشله..

وما قد يترتب على فشله من صراع، وربما اقتتال بيننا. هذه هي المهمة التي تنتظر الإنجاز، فهل نقوم بها، أم نتركها لغيرنا، لتفرض علينا عندئذ مرحلية مجافية لأهدافنا، تنقذ النظام، وتحبط الثورة، وتحول دون وصولها إلى رهاناتها؟

 

طباعة Email