في رحاب الحرم الجامعي، تضع الأقسام الأكاديمية المختلفة برامجها الدراسية والبحثية، معززة بأسباب ومبررات وجودها، من خلال تسليط الضوء على ما تقدمه للدارس والباحث من مزايا، لا يمكن الاستغناء عنها في حياة الفرد والمجتمع حاضراً ومستقبلاً.

قسم التاريخ ليس استثناء من هذه القاعدة، على الرغم من أن هذا القسم لا يقدم ما يُعنى بالحاضر ولا بالمستقبل من قريب أو بعيد، فدراسة التاريخ لا تسهم في تخريج من يقوم بإجراء العمليات الجراحية للمرضى، أو تصميم المباني لمقاربة أزمة السكن، أو تحسين وسائل استخدام الموارد الطبيعية أو المحاصيل الزراعية، أو غير ذلك مما يقلق الناس على حاضرهم أو مستقبلهم.

فالتاريخ، على الرغم من وجود تعريفات متباينة له، هناك ما هو جامع بينها، أنه يُعنى بدراسة الماضي بأحداثه وشخوصه.

لسنا بصدد استعراض ما تقدمه أقسام التاريخ من مزايا لدارسيه، فهي عديدة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية، إلا أننا سنتوقف عند إحداها لا غير، لإلقاء نظرة ناقدة على حاضرنا المتعب بثقل ماضينا، ما نتوقف عنده، هو ما يتعلق بالدروس الأخلاقية والإنسانية المستقاة من دراسة الماضي.

دراسة التاريخ، تتيح لنا فرصة الاستفادة منها لصناعة حاضر يسمح لنا بامتلاك أدوات النهوض لتحقيق حلم الإنسان في حياة أفضل.

التاريخ يوفر لنا مجالاً للتأمل بأحداث الماضي وشخوصها، والطرائق التي استخدمت لمقاربتها، ومدى إسهام تلك الطرائق في التوصل إلى قدر أفضل من المثل والقيم التي تثري حياة الإنسان من عدمها، فهو مرآة نرى فيها أنفسنا في قضايا عصرنا.

هذا الربط لا يطرح كفرضية سياسية، بل كجزء من تأملات فكرية منهجية نحو تشكيل رؤية أوسع لمقاربة الموضوع الشائك عن دور الماضي في حياة الحاضر، وإشكالية العلاقة بين السياسة والأخلاق.

فدراسة أحداث الماضي ودور شخوصه وقياداته في خضم الأوضاع التي كانت سائدة في حينه، تتيح لنا فرصة اختبار حسنا الذاتي الأخلاقي، وشحذه ضد بعض التعقيدات في أوضاع صعبة نواجهها في الحاضر. فالذين تعرضوا لشتى أنواع الصعوبات، أفراداً وشعوباً، في أجواء قاسية، ليس في قصص خيالية، وإنما في ظروف تاريخية حقيقية..

وتصبح قصص صنعها رجال أو نساء واجهوا المحن بالصمود والتضحيات دون زلل في مواقفهم المبدئية، مصدراً للإلهام، وجزءاً من المنظومة الأخلاقية التي يتعارف المجتمع على تبنيها.

يقول المؤرخ الإنجليزي، إدوارد جيبون (ت 1794)، إن التاريخ هو «سجل لحماقات وجرائم وكوارث البشرية»، ورغم أن آخرين كباراً من أمثال الفيلسوف الألماني شوبنهاور (ت 1860)، يشاركونه هذه النظرة التشاؤمية، إلا أن مقولته ليست بعيدة كثيراً عن الحقيقة، حين نتأمل التاريخ السياسي للبشرية سابقاً ولاحقاً.

فما الذي استفدنا من تجارب الحروب التي جرت عبر التأريخ لأسباب عرقية أو دينية أو قبلية أو شخصية، أو ماذا جنينا من أجواء التوترات التي تنذر باندلاع الحروب في حقبة الحرب الباردة، التي لم نغادرها منذ زمن بعيد، وقد حشدت الدول العظمى قواها، ووظفت اقتصاداتها لخدمة آلة الحرب، على حساب ما هو في مصلحة الإنسان، وهو الخدمات التي تتعلق بالتعليم والصحة وتوفير فرص أفضل للتنمية.

الحروب أو خطر وقوعها، هو ما يكمن خلف انهيار المجتمعات أو الحضارات، لأن مع الحروب ومع أجواء التحضير لها أو أجواء اتقاء وقوعها، تتراجع إلى درجة مريعة قيم الأخلاق والإنسانية والعدالة، الأعمدة الأساسية في ديمومة المجتمعات. فمع نهاية حقبة الحرب الباردة مطلع تسعينيات القرن المنصرم..

وُلد حس ذو طبيعة إنسانية، يهدف لتقويم الجانب الأخلاقي لأساليب الصراع السياسي في العالم، كانت فرصة تاريخية لمعالجة الخلل في النظام العالمي، الذي هو السبب في جميع ما يحصل من كوارث في الصراعات السياسية القائمة.

إلا أن هذا الحس الإنساني لم يلق الفرصة المناسبة للنضوج، بل لاقى الكثير من الصفعات من قبل السياسيين، الذين جعلوا من خصائصهم السيكولوجية خصائص للدولة التي يرغبون في صنعها، التسلط والتفرد وتحقيق المطامح على حساب كل شيء.

وها نحن نوشك على فقدان وضياع هذه الفرصة، بعد أن عادت الأجواء المفعمة بالعنف تفرض نفسها، صانعة شتى مناظر القمع والدماء والجوع والنزوح والتشرد، وينقسم العالم من جديد إلى معسكرات وتحالفات، وكأن تجربة الحرب الباردة لم تكن كافية لتقنع السياسيين بأن مصير العالم ومستقبله، يمكن أن يخضع لمعادلات أخرى غير معادلات الخوف والترقب للصدام.

إن نظرة على حجم ما ينفق على التسلح في العالم، توضح حقيقة أن العالم لم يتقدم كثيراً، في ما يتعلق بأخذ العبر من الماضي وأهوال حروبه، خاصة في الدول التي تعتبر دولاً نامية، فوفق معهد استوكهولم لأبحاث السلام العالمي، وهو معهد يتمتع بدرجة عالية من الصدقية، صرفت دول العالم عام 2014 على التسلح، مبلغاً قدره تريليون وسبعمئة وستة وسبعون بليون دولار، أي ما يعادل 2.3 في المئة من الناتج الإجمالي العالمي.

إلا أن من الجدير ذكره، أن قاعدة بيانات هذا المعهد، تشير إلى أن الإنفاق السنوي العسكري قد انخفض بمقدار 0.4 في المئة عن العام الذي سبقه، للمرة الثالثة على التوالي. فقد انخفضت ميزانيات التسلح في دول الأميركتين وفي دول الكاريبي وفي دول غرب أوربا ووسطها، إلا أنه ارتفع في آسيا وأفريقيا ومنطقة الشرق الأوسط وأوربا الشرقية، وكان هناك زيادات لافتة للنظر لدى بعض الدول، منها روسيا.