حقاً.. نجح مؤتمر المناخ في فرنسا، في صياغة اتفاقية تاريخية لإنقاذ كوكب الأرض، وتخصيص مئة مليار دولار لمساعدة الدول النامية، تحقيقاً لهذا الهدف، ولكن رغم عظم هذا الإنجاز، يبقى الاستثمار في الإنسان خير وسيلة لتنمية الحاضر والمستقبل، ولا يتحقق ذلك بدون عملية تكاملية بين المواطن والحكومات والبيئة المحيطة والأوساط المجتمعية، انطلاقاً من أن «بناء البشر، يجب أن يسبق بناء الحجر».
فالعنصر البشري في نهاية المطاف هو صانع الحضارات، وهو كذلك العامل الأساسي في إطلاق برامج التطوير والتحديث، وبكل تأكيد، لا إمكانية لتحقيق ذلك بدون برامج تعليمية وعلمية حديثة، ترتقي بالموارد البشرية والتنمية المجتمعية الشاملة، وفقاً لخطط زمنية متنوعة تضمن استدامتها، وإذا كان هذا هو الهدف النهائي للدول والمؤسسات الفاعلة فيها، فلا مبالغة في التأكيد على أهمية الإرادة السياسية لتحقيق ذلك.
فمنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأت التحولات الكبرى في تغيير المفاهيم الخاصة بعمليات التنمية بأنواعها المختلفة، الاقتصادية والاجتماعية والبشرية، وتزامناً مع الثورة التكنولوجية الهائلة، وبروز الوحش الصيني بمعدلات نموه الرهيبة، ومعه في فترة لاحقة، النمور الآسيوية الاقتصادية، والتهامها للموارد الطبيعية بنهم شديد، جنباً إلى جنب مع القوى الصناعية التقليدية.
وبشكل يهدد كوكبنا الأرضي، حدثت الثورة الكبيرة في رؤية العالم لمفهوم البيئة، فبعدما كانت تتمثل في الحفاظ على الهواء نقياً، والماء صافياً، والأرض خصبة، تبدل الحال تماماً، وأصبح المفهوم الأشمل للبيئة، هو الحفاظ على بقاء كوكب الأرض ذاته، وحماية البشرية من الفناء، بالحفاظ على الموارد الطبيعية، والتنوع الإحيائي الذي يكفل استمرار الحياة.
وانطلاقاً من هذه الحقائق الجديدة، تفجرت في الدول الأوروبية، على وجه الخصوص، ظاهرة سياسية جديدة، لم يعرفها العالم من قبل، هي «أحزاب الخضر»، وكانت ألمانيا الغربية، قبل الوحدة، أهم محطاتها، ونجح حزب الخضر المتبني لقضايا البيئة بمفاهيمها الجديدة، في استقطاب شريحة ضخمة جداً من الجماهير، مكّنتهم من دخول البرلمان بعدد مميز من المقاعد، وأصبح لتلك الأحزاب بالفعل مكانة على الساحة السياسية العالمية.
والرسالة الأساسية التي نجمت عن هذه التطورات المهمة، اعتبرت بالفعل القضايا البيئية أولوية سياسية، لا انفصال لها عن مجمل القضايا الأخرى، التي تهتز لها الدول والحكومات، وكانت النتيجة المباشرة، أن الأحزاب السياسية الكبرى تبنت هي الأخرى قضايا البيئة، باعتبارها أولوية سياسية، لدرجة أنه يصعب أن يخلو أي برنامج حزبي أو سياسي اليوم من القضايا البيئية.
ومن الطبيعي ألا تتوقف انعكاسات هذه التحولات الكبرى في المفاهيم والممارسات عند حدود الدول الداخلية، ولكنها تحولت بسرعة البرق إلى قضايا دولية عابرة للحدود، لتوحد العالم على ضرورة مواجهة الأخطار القائمة والوشيكة، ووجدت القضية طريقها إلى أجندة الأمم المتحدة، التي نظمت وعقدت العشرات من المؤتمرات الدولية الجامعة، وصولاً إلى برامج شاملة، تضمن استمرار البقاء لكوكب الأرض والبشرية، ولكنها بالتأكيد لم تقف عند هذا الحد، ومعها مختلف دول العالم.
فليس من المعقول أن يكون هدف الحفاظ على البيئة والموارد للمستقبل، سبباً للتضحية بالتنمية الجارية في الحاضر، فالدول النامية عموماً، في أشد الحاجة إلى المصانع التي تكفل لها نمواً اقتصادياً، هي في أمس الحاجة إليه، وبالتالي، تصبح ضرورات البيئة شكلاً من أشكال الترف الاجتماعي.
ولكن كانت هناك أصوات أكثر حكمة وذكاء في الجمع بين الضرورات الملحة، مع تحقيق أكبر قدر من المكاسب، وأقل درجة من الأضرار، وبعدما كان هناك استعداد للترحيب بالتلوث مع التنمية، بدأت تظهر «الأفكار الخضراء» للمجتمعات والمدن والمعيشة بشكل عام.
فكانت البدائل المقرونة بثورة علمية، حيث كثر الاعتماد على مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة، بديلة للوقود الأحفوري، لتحقيق هدفين، أولهما، الحفاظ على الموارد الطبيعية، وإنتاج طاقة نظيفة، مثل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والطاقة الحيوية وغيرها الكثير، وكذلك للحد من استهلاك السيارات للوقود، وبدأت تظهر نظم تقنية جديدة للاحتراق الداخلي، فضلاً عن تخفيف وزن السيارة، وبدلاً من الوقود الأحفوري أيضاً، تم إنتاج أنواع جديدة من الزيوت والوقود، مستنبطة بالكامل من النبات (الوقود الحيوي).
كل ما سبق، مجرد نماذج محدودة جداً للخيارات والبدائل التي تم اللجوء إليها لتحقيق أهداف التوجهات الجديدة، للحفاظ على الموارد الطبيعية وحماية البيئة، دون التضحية بالتنمية الحاضرة وحماية حقوق أجيال المستقبل في تكريس صريح وواضح المعالم لفكرة التنمية المستدامة.
وعلى وجه التقريب، أصبح هناك ما يشبه الاتفاق الجماعي على أهمية التنمية المستدامة في إدارة وحماية الموارد الطبيعية، والتغير التقني والمؤسسي، بطريقة تضمن تحقيق واستمرار الحاجات البشرية للأجيال الحالية والمستقبلية في الزراعة والغابات والمصادر السمكية، التي تحمي الأرض والمياه والمصادر الوراثية النباتية والحيوانية، ولا تضر بالبيئة.
ولكن تبقى الحقيقة المؤكدة، أن هذه الاتفاقات والبرامج، تبقى حبراً على ورق، إذا لم تتحول إلى برامج علمية وعملية على أرض الواقع، لأن الإنسان هو ذاته في نهاية الأمر، المكلف بتنفيذ هذه البرامج الجديدة، والمستفيد منها وبنتائجها أيضاً، ولا يتسنى تحقيق ذلك، إلا ببرامج علمية ومؤسسات تواكب روح العصر، وتتبنى أحدث المناهج العلمية، مع حتمية ربطها باحتياجات المجتمع، لتحقيق معادلة مدخلات التعليم مع مخرجاته، والتي بدونها يصعب الحديث عن تنمية مستدامة تحمي الحاضر وتصون المستقبل.