قدم العزيز عزيز العظمة بعقل تاريخي حصيف في حوار مع الجديد، تحليلاً للظاهرة الأصولية بوصفها ظاهرة ذات أساس اقتصادي عالمي تماثل الحركات غير الأصولية في عالم غير إسلامي في سلوكها الهادف إلى الثروة.

فالتفسير الاقتصادوي، والبحث عن الأساس المادي، والوقوف عن هامشية القوى التي أنتجتها الرأسمالية المتعولمة، كل هذا لا يجيب عن السؤال الذي طرحناه.

ما هذه السرعة العجيبة في محاولة اختطاف الإسلام وتحويله إلى أيديولوجيا سياسية، وحركات عنفية؟ عندي أنه دون النظر إلى البنية الثقافية - الجهادية والذاكرة التاريخية التي يتوارثها جمهور ما قبل الحداثة بهذه السرعة في اغتراب عن روح العصر الرأسمالي وبسببه لا يكون فهم للأصولية الإسلامية في صورتها الراهنة أو السابقة لها.

هذه الجماعات الأصولية هي جماعات نصية قبل كل شيء، كان يكفي للخطاب في ظل أزمة أو مأزق تاريخي أن يتحول إلى سلطة وسلطة آمرة.

تقول فرضيتي، إن الإسلام السياسي في صورته الجهادية - العنفية هو الأيديولوجيا المطابقة للمأزق التاريخي الذي تشعر فيه نخبة هي بالأساس أيديولوجية وتعبر عنه بالخطاب فتجر وراءها جمهوراً مأزوماً.

لماذا يريد البعض أن يتحول الإسلام إلى أيديولوجيا عنفية كتعبير عن المأزق التاريخي، إن الأمر مرتبط بثلاثة عناصر حاضرة في الإسلام كإمكانيات: الجهاد، التشريع، الذاكرة الجمعية. ثم إنها عناصر مجتمعة دون النظر إلى ما هو أول وما هو ثانٍ، وفي ترابط لا ينفصم كما سنرى.

الجهاد في الإسلام، بمعزل عن تنوع الفهم له، هو القتال في سبيل الله، كيف صار القتال في سبيل السلطة والخلاص الأرضي قتالاً في سبيل الله؟

إن الثقافة المتكونة على فكرة شرع الله الموجودة في النص القرآني والنبوي والفقهي والمنسية في معاني الحياة العادية السعيدة سرعان ما تستيقظ في شروط المأزق التاريخي بوصفها أيديولوجيا خلاصية تعززها ذاكرة تتراكم في المدرسة والجامع والأسرة على نحو مستمر، وعندها يصير الجهاد وسيلة الأيديولوجيا الدينية الخلاصية ويضفي معنى كبيراً عليها، ما يسمح باستعادة الموت في سبيل تحقيق شرع الله، فالموت في سبيل شرع الله هو حياة أخرى سعيدة.

تقدم الطليعة الدينية الخلاصية خطاباً مألوفاً وبسيطاً جداً وحاضراً في وعي العامة، فتكون الاستجابة له بلا جهد وبلا عناء تفكير. فجند الله وحزب الله وأنصار الله وما يشابهها من أسماء تحمل المضامين ذاتها أسماء سريعة الإغراء.

حين كان المخلص عبدالناصر في ذروة حضوره كمخلص أرضي، وكان الناس لايزالون يحملون آمالاً كبيرة في تحقيق شعاراتها العظيمة لم يكن للخلاص الإخواني والتحريري حتى في أساليبه السلمية مكانة لدى العامة والجمهور، وبالعكس حين انهزم الخلاص الأرضي ووصل المجتمع إلى المأزق التاريخي استيقظ الخلاص الآخر في صورته العنفية.

وعندي أن إهمال الثقافة المتكونة عبر قرون في فهم الأصولية الراهنة يجعل وعينا بها فقيراً، فالهوية الدينية النائمة التي استيقظت على أصوات قذائف الأميركي على بغداد وقذائف النظام على المدن والقرى السورية وهكذا.. في أماكن أخرى من بلدان العرب ما كان لها أن تظهر إلا بوصفها هوية مقاتلة مسلحة.

والحق يجب أن نميز بين الأهداف الخفية للنخبة المؤسسة للجهاد العنفي والمصالح الأرضية التي تتكون عبر الممارسة من جهة، والجمهور العام الذي يمشي وراء هذه النخبة مضحياً من أجل أهداف هو مقتنع بها حتى ولو كانت أوهاماً من جهة ثانية.