بكل المقاييس، كانت الزيارة التي قام بها صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين الأسبوع الماضي ناجحة ومهمة. وإذا كنا نقول قبل سنوات إن العالم من حولنا يتغير، فإنه اليوم تغير فعلا، وبوتيرة أسرع مما كنا نتوقع أو نتخيل، فالذين تصورناهم حلفاء لم يعودوا هم الحلفاء الذين يمكن الاعتماد عليهم اليوم كل الاعتماد..

والذين تصورناهم أعداء لم يعودوا هم الأعداء الذين يمكن أن نبتعد عنهم اليوم كل الابتعاد، والسلة التي كنا نضع فيها كل أوراقنا لم تعد صالحة للمرحلة، فما يحدث حولنا مخيف فعلا، وما لم نبنِ صداقات جديدة، ونُقِمْ تحالفات مع دول لها ثقلها ونفوذها وتأثيرها في صنع القرار، فسوف نجد أنفسنا لقمة سائغة لدول لها أطماع وطموحات، وسوف نُباع ونُشترى في اتفاقات وصفقات.

الصين واحدة من الدول الصديقة التي يجب أن نوَثّق علاقتنا بها، فهي الشريك التجاري الرئيسي لمعظم الأسواق في العالم، وهي تكتسح أسواق الشرق الأوسط وأفريقيا حاليا، بالإضافة إلى نفوذها الكبير في القارة الآسيوية، وهي الدولة الأكثر سكاناً في العالم، باقتصاد يبلغ حجمه 9 تريليونات دولار، متوقع أن يصل حجمه عام 2018 إلى أكثر من 13 تريليون دولار..

وبناتج محلي مقداره 15 تريليون دولار تقريباً، متوقع أن يشكل 40% من الناتج الإجمالي العالمي عام 2040، وفقاً لتوقعات صندوق النقد الدولي. وفي الوقت الذي تعاني فيه أميركا وأوروبا لتحقيق معدل نمو لا يتجاوز 3% فإن الصين تحقق معدل نمو بلغ 7% رغم التباطؤ الذي يمر به حاليا اقتصادها، وبينما تعاني الولايات المتحدة عجزاً في ميزانها التجاري..

فإن الصين تحقق فائضاً نتيجة الزيادة الهائلة في صادراتها، ومن المتوقع أن يصبح «اليوان» الصيني ثالث عملة في العالم من حيث القوة، بعد الدولار واليورو، عندما تدخل توصية صندوق النقد الدولي بإدراجه ضمن عملات الاحتياط حيز التنفيذ.

لهذه الأسباب كلها، وأسباب أخرى يضيق المجال عن ذكرها، تحتل الصين مكانة خاصة بين الدول التي يجب أن نستثمر علاقتنا بها في تعزيز مواقفنا من الأحداث الجارية في المنطقة والعالم، وهي علاقة ذات جذور عميقة ممتدة، ازدادت عمقاً مع قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، وأخذت تتنامى على مدى أكثر من أربعة عقود من الزمن، توّجتها الزيارة التي قام بها المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، عام 1990 للصين، وعمّقتها الزيارات المتتابعة التي قام بها قادة دولة الإمارات للصين خلال السنوات الماضية.

ومنها زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي عام 2008، والزيارتان اللتان قام بهما صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عامي 2009 و2012.

بعيداً عن السياسة والمصالح الاقتصادية، يحمل الشعب الصيني مودة خاصة واحتراماً لقيادة دولة الإمارات وشعبها. وقد تجلى هذا أثناء زيارة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان للصين، من خلال الاستقبال الرسمي الذي جرى لسموه في قصر الشعب، والمباحثات التي جرت بين سموه والمسؤولين الصينيين، وعلى رأسهم الرئيس الصيني ونائبه، وعدد الاتفاقيات التي تم توقيعها بين دولة الإمارات والصين في مجالات عدة.

كما لمسنا هذه المحبة أثناء زيارة الوفد الإعلامي المرافق لسموه «مركز الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان لدراسة اللغة العربية والدراسات الإسلامية» في جامعة الدراسات الأجنبية ببكين..

وهو المركز الوحيد في الجامعة الذي يحمل اسم شخصية، وقد تأسس عام 1994 بتبرع من المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، أثناء الزيارة التي قام بها إلى العاصمة بكين. وفي الحفل الذي أقامته إدارة المركز للوفد الإعلامي، استمعنا إلى طالبات وطلاب صينيين يتحدثون اللغة العربية أفضل من بعض أبنائها، ويعبّرون بلغة فصيحة، ويغنون للإمارات كما لو أنهم وُلِدوا على أرضها أو عاشوا فيها.

دولة الإمارات هي أول دولة عربية خليجية تقيم شراكة استراتيجية مع الصين، وهي الشراكة التي تم توقيع اتفاقيتها في شهر يناير من عام 2012، عندما قام «ون جياباو» رئيس مجلس الدولة الصيني آنذاك بزيارة رسمية إلى دولة الإمارات، شارك خلالها في الدورة الخامسة للقمة العالمية لطاقة المستقبل.

واليوم تعتبر الصين دولة الإمارات شريك التعاون الاستراتيجي الرئيسي لها في الشرق الأوسط والخليج، وثاني أكبر شريك تجاري لها، وأكبر سوق للصادرات الصينية في منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا، ويوماً بعد يوم يتزايد التواصل بين البلدين في مجالات الثقافة والسياحة والتعليم والصحة، وغيرها من مجالات التعاون المشترك.

الاتجاه شرقاً جهة الصين ليس موجهاً ضد أحد، وإنما هو موجه لصالح دولة الإمارات التي تلعب دورا حيويا في المنطقة والعالم، وتعمل للمحافظة على كيانها ومقدرات شعبها ومستقبل أجيالها القادمة، ومن أجل تحقيق هذه الأهداف تصبح كل خطوة إلى الأمام مشروعة، ودولة الإمارات تتمتع بقيادة واعية، تعمل لصالح وطنها وشعبها..

وتعرف أين تضع أقدامها، وتملك البوصلة التي تعرف بها الاتجاه الصحيح. لذلك كان اتجاه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان شرقاً جهة الصين خطوة مدروسة، عاد منها سموه بمكاسب عدة، والباب مفتوح على كل الجهات، طالما كان في ذلك مصلحة دولة الإمارات.