لم يكن يَدُر بخلد إدوارد سميث أن تلك الليلة الباردة تحمل تحت هدوئها ما كان يظنه مستحيلاً هو وتوماس أندرو أحد كبار مهندسي تصميم تلك السفينة الجبارة كما دعوها، ورغم الأجواء شديدة البرودة التي دخلوها والتي تنذر بوجود مصاعب عدة فيما يخص القطع الجليدية إلا أن الغطرسة وعقلية «التجاهل» منعت سميث من تصديق وجود مخاطر قد تزعج ليلته.
وبدلاً من أن يتابع بنفسه ما تحمل النسمات الباردة وليلها الحالك ذهب للنوم، ليصحو على صوت مرعب جرّاء اصطدام أسفل السفينة بجبل جليد مزّقها كقطعة ورق لتغرق التايتانيك ويغرق معها في تلك الليلة الكئيبة منتصف أبريل 1912 أكثر من 1500 راكب بما فيهم سميث وأندرو لأنّ العباقرة لم يوفروا من قوارب النجاة سوى ما يكفي ثلث الركاب فقط!
إن المصائب لا تأتي فجأة، والأخطاء لا تتولّد بنفسها من لا شيء، بل جميع الأوضاع المغلوطة والأحداث السيئة تكون لها سلسلة من الإخفاقات الصغيرة المبكرة والتي لا يتم معالجتها بطريقة سليمة إما جهلاً أو استصغاراً لحجمها ليتفاجأ من استصغرها لاحقاً أن تلك الشرارة الضئيلة أصبحت ناراً هائلة لا تترك شيئاً أمامها، حينها تكون جميع محاولات وقفها مكلفة للغاية، وفي كثير من الأحايين غير مجدية ومتأخرة كثيراً.
لم تكن عصابة الشر والإجرام «داعش» لتجد لها موطئ قدم في الولاية الذهبية، كما يدعوها الأميركان، لولا وجود ثغرات كافية لينسل بعض مجرميهم خلالها، مررتُ مرة وحيدة لزيارة صديق عام 2000 بتلك المدينة التي كانت مسرحاً لمذبحة مروعة قبل أسابيع، وكم هالني البؤس الذي يلف تلك المدينة المسماة «سان برناردينيو» حيث يدرس والواقعة على الأطراف الشرقية من لوس أنجليس.
كان مساري كمن ينتقل من النعيم إلى الجحيم، من الثراء إلى الفقر، من المدينة التي تنبض حياة وحركة إلى مدينة يكتنفها اللون الرمادي الشاحب ويلفها الصمت المريب، كان كل شيء يعطيك إحساساً خفياً أنّك في المكان الخطأ لذا لم تدم زيارتي هناك طويلاً.
خلال الفترة اللاحقة لم تجد تلك المدينة اهتماماً بحالها، ولم تمر بمخيّلة من يهتمون بحال المدن الكبيرة أن هذه البُقعة المنسيّة قد تشكّل صداعاً مزعجاً لهم، فتواصل إهمالها لتجد المدينة نفسها عام 2012 تُعلنُ إفلاسها كإحدى صدمات ما بعد الأزمة الاقتصادية، ولأن الفكر الخاطئ الذي تسبب بذلك الوضع المزري لم يُغيّر قناعاته.
لم يكن بالتالي متوقعاً أن يتحسن الحال، فاستمرار عمل الأمور بالطريقة نفسها سيؤدي بالضرورة للنتائج نفسها كل مرة، لذا قام أولئك العباقرة بخفض النفقات والميزانيات بشكلٍ غير مسبوق وكأنهم يتعاملون مع شركة تحتاج لضغط نفقاتها حتى تخرج بأقل الخسائر وليس مع مدينة يقطنها أكثر من 213 ألف نسمة من أعراقٍ شتى.
فتم الاستغناء عن عدد كبير من رجال الشرطة ضمن خطة تخفيض التكاليف، الأمر الذي أوجد فراغاً أمنياً هائلاً للقتلة والعصابات وتجار المخدرات ليصحو سُكّانها ومدينتهم ضمن الفئة الأعلى من المدن الأميركية ليس في الثراء والمدنية وتوفر فرص العمل وإنما في جرائم القتل والسرقة والاغتصابّ.
عندما دخل سيد رضوان فاروق وزوجته تاشفين مالك تلك القاعة التي يؤمها زملاؤه في العمل لم يكن يمر ببال أحد منهم أنّ من خالطهم كل هذه السنين لم يكن يحمل سوى قلب ضبع غادر ونفسٍ ملوّثة لا تحمل إنسانية ولا تبلّ ذلك الوجه مروءة ولا يردها «عيب»، سار حاملاً بندقيته هو وزوجته في الشر يدّعيان الإسلام الذي ناقضا توجيهه الرباني: «من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفساً بغير نفسٍ أو فساد في الأرض .
فكأنما قتل الناس جميعاً ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا»، ثم ببرودٍ غريب فتحا أبواب الموت وأرديا 14 قتيلاً وتركا 21 جريحاً قبل أن يلوذا بالفرار كعادة الجبناء الغادرين وأسيادهم الدواعش ومن نبتوا في كنفه وخرجوا ثماراً شيطانية من أراضيه البور من جماعات «يا أحكمكم يا أقتلكم»!
لم تكن داعش لتجد مكاناً تنفذ منه لولا أن المدينة تُرِكَت في مهب الريح يلهو بها الشيطان كيفما أراد، فسان برناردينيو حصلت على 5 درجات فقط على مؤشر الجريمة بينما أقصى الدرجات أماناً كان 100 درجة.
وفي العام المنصرم حدثت بها 2.201 جريمة عنف و10.025 سرقة، وعندما تشير الأرقام الرسمية إلى أن متوسط جرائم العنف لكل ألف شخص هو 3.8 في كل الولايات المتحدة نجد الرقم يرتفع في سان برناردينيو إلى 10.3، وكذلك الحال مع متوسط جرائم الممتلكات، فلكل ألف شخص يبلغ 27.3 لكل أميركا بينما في المدينة المنسيّة سان برناردينيو يبلغ 47.9.
المدن المنسية لا يلجأ لها إلا فاقدو الأمل أو من يريدون أن يُفقدوا العالَم الأمل، بها تكثر الأقدام القادمة والمغادرة، يأتي مستأجرون دون أن ينتبه لهم أحد ثم ينسلون خروجاً دون أن يعرفهم أحد أيضاً، وعندما يتعارف سُكّان أحياء المدن «الحيّة» والمزدهرة كنتيجة طبيعية لبقائهم لتوفر وسائل الحياة المرفهة وفرص العمل الكافية ووجود سبب للتناغم والتفاعل الإيجابي مع من يسكنون بجوارهم، نجد النقيض عند المدن الميتة سريرياً، حيث لا يتعارف من بها لكثرة الداخلين بلا معنى والمغادرين بلا سبب.
لن يجد الشر موطئ قدم لو سُدَّت عليه المداخل، ولن يُلوِّث الإجرام صباحات الأبرياء لو اهتم العالم بضواحيهم المنسية ومُدُنهم البعيدة عن العين وعن الاهتمام، فحيثما يُشرق صباح لا يحمل أملاً للبائسين ينسل في الطرقات كل مروّج شر ومُسعِّر فتنة، والشر يبدأ صغيراً لكنه ينمو بتسارع إن لم تُكتَم أنفاسه مبكراً، فمن أغرق التايتانيك لم يكن جبل الجليد ولكن لا مبالاة من بها بمسارها الخطر الذي دخلت فيه!