تواجه أمتنا العربية العديد من التحديات في طريقها للنهوض، غير أن التحدي الحقيقي الذي يواجهها ليس كما يبدو التحدي التكنولوجي باعتبار أن التكنولوجيا هي مرحلة لها ما قبلها، وما قبلها هي المعرفة والعلم والابتكار الذي يصل بنا في الأخير إلى المنتج الذي يسهم في الارتقاء بحياة البشر وتجويدها.

ذلك يعني أن المعرفة هي الأساس الذي يتم البناء عليه، والمجتمعات الغنية معرفيا، بما تملكه من طاقات قادرة على الإنتاج والتجديد، هي المجتمعات الحية التي تتمثل ثروتها الحقيقة في عقول أبنائها وقدراتهم على العطاء، وهي المجتمعات التي تستطيع أن تعظم من ثرواتها مهما كانت قليلة.

كما أن الحضارات العظيمة قامت على أساس معرفي ميزها عن غيرها وجعل لها مكانة لا تدانيها غيرها من الأمم، فضلاً على أن قوة أي عمل يأتي من أساسه المعرفي، فإذا كان منطلقا من قاعدة معرفية متينة كان النجاح حليفا له، لأنه في غياب المعرفة ينعدم الابتكار وتحدث العشوائية والارتباك التي لا تصنع تقدما ولا تقيم حضارة.

كما أن الفجوة الحقيقة بين الدول المتقدمة وغيرها من الدول هي بالأساس فجوة معرفية جعلت من العالم النامي في موقع المفعول به غالبا باعتبار أنه يعيش على أفكار غيره، وهو من أخطر أشكال الأسر الحضاري الذي يجعلنا ننتظر دائما من يفكر لنا.

وبالتكرار والممارسة يصاب الفرد بالعجز عن مجرد التفكير والمحاولة وتتضاءل قدراته الذاتية، باعتبار أن التفكير والبحث عن المعرفة وإنتاجها وتطبيقها بشكل ابتكاري هو نوع من الرياضة الذهنية التي تحتاج إلى محفزات.

لذا، فإن إطلاق جائزة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة، بهدف تشجيع المعنيين والعاملين في مجال المعرفة، وتحفيزهم على الإبداع والابتكار في تطوير مسارات نقل ونشر وإنماء المعرفة حول العالم.

جاءت تعبيرا عن وعي بطبيعة التحديات التي تواجه أمتنا العربية، في أن الحاضر والمستقبل لن يكون فيه متسع للعقول المجدبة وأصحاب الأفكار الفقيرة والتعامل مع مجريات العصر بنمطية أو بعشوائية، وأن تحقيق التقدم والإنجاز لا يمر عبر بوابة ضربة الحظ، لكنه قائم على المعرفة الابتكارية القادرة على تقديم مفردات بعيدة عن النمطية.

كما أن إطلاق سموه لجائزة المعرفة جاء منطقيا في ترتيبه، حيث إنه جاء في سياق بيئة مواتية لتحقيقه، وحالة من العمل المستمر جرت على مدار سنوات بحثا عن التميز وتكريم أصحابه وتقديمهم لغيرهم، فضلاً عن إرادة سياسية فاعلة لا ترضى بغير المركز الأول في كافة المجالات.

إن مجتمع المعرفة هو المجتمع الذي تتسابق فيه العقول مجتمعة، كل يدلو بدلوه ليساهم مع غيره في الارتقاء بالمجتمع في كل متناسق من خلال تلاقي الأفكار وتناقل المعلومة التي يضيف إليها الآخر من فكره وابتكاره، بحيث يبدأ كل فرد من حيث انتهى غيره، هنا تتكون البيئة المواتية للإبداع القادرة على استنهاض الطاقات الفكرية والجهود المعرفية بحثا وإنتاجا لكافة أفراد المجتمع، وهنا يحقق الفرد ذاته ويشعر بقيمة الدور الذي يؤديه.

كما أن الاقتصاد المعرفي أصبح هو السمة السائدة للمجتمعات المعاصرة، والذي عرفه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بأنه: نشر المعرفة وإنتاجها وتوظيفها بكفاية في جميع مجالات النشاط المجتمعي الاقتصادي، والمجتمع المدني، والسياسة، والحياة الخاصة، وصولاً لترقية الحالة الإنسانية بإطراد؛ أي إقامة التنمية الإنسانية، ويتطلب الأمر بناء القدرات البشرية الممكنة، والتوزيع الناجح للقدرات البشرية.

إن المعرفة هي الموجه الأهم والأكبر لبناء اقتصاد الدول وتعظيم قدراتها، كما أن الأساس المعرفي هو الأساس في اتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة في عالم ترامت أطرافه، واقتناص فرص النجاح لا يمكن أن يكون بعيدا عن المعرفة، لذا فإن اقتصاديات المعرفة هي المحرك الأساس للمنافسة الاقتصادية من خلال زيادة الإنتاج والبحث الدائم عن الأفكار الابتكارية والتي من شأنها إضافة قيم نوعية للمنتج.

وفي تقديري أنه سيكون لهذه الجائزة ما بعده من تأثير على المنظومة التعليمية والبحثية في الدولة، وبخاصة أن من أهدافها تفعيل وتطوير الجامعات ومراكز الفضاء والأبحاث في شتى المجالات، إضافة إلى الاستفادة من ناشري المعرفة المخترعين الذين غيروا وجه العالم بابتكاراتهم واختراعاتهم.

إن المجتمع الذي يمتلك ناصية المعرفة، والقادر على إنتاجها وتطويرها وتطبيقها، والذي يجعل من الفكر الإنساني رأس المال الحقيقي، هو المجتمع الذي يملك حاضره والتخطيط لمستقبله.

وكشأن سموه دائما فيما يطلق من مبادرات فهذه هي المرة الأولى التي تخصص فيه جائزة للإنسانية جمعاء في مجال المعرفة الإنسانية، حققت بها الإمارات، كما هي دوما، قصب السبق باعتبارها الجائزة الأكبر في مجالها، وفضل السبق لا يدانيه فضل.