تراوح معدلات الفقر في إسرائيل في حدود مثيلاتها في دول العالمين الثالث والرابع، وهي تطال حوالي 20% من اليهود وتصل إلى أكثر من 50% بين العرب. هذا ما نفهمه من أحدث تقارير مؤسسة التأمين الوطني الإسرائيلية؛ الذي يقول بالحرف «..هناك نحو 1.7 مليون فقير إسرائيلي (يهودي)؛ نصفهم من الأطفال.. كما أن أكثر من نصف العائلات العربية فقيرة».

وفي معلومة يصح أخذها على محمل السخرية، يضع التقرير إسرائيل في ذيل قائمة دول منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي الصناعية؛ التي يبلغ فيها متوسط عدد الفقراء نحو 11% من السكان.

مع ذلك، تزهو إسرائيل بانتمائها إلى عالم المتقدمين من دول الرخاء والرفاه، ويمر هذا الزعم على كثير من الخلق، فيما حقائق الاجتماع السياسي والاقتصادي والتطور التاريخي لهذه الدولة، تكاد تدحضه.

حقاً هناك جوانب متقدمة في هذه الدولة، كالاهتمام بالبحث العلمي ومخصصاته المالية ووجود نخبة أكاديمية متميزة والحرص على متابعة كل جديد في التقنيات الصناعية والزراعية الحديثة.. لكن الأصل في هذه الجوانب هو نقلها وانتحالها من مجتمعاتها الأم واستدعائها للاستيطان مع من تمت هجرتهم أو تهجيرهم إليها.

ربما تشابهت ظاهرياً أسباب الفقر في إسرائيل معها في الدول النامية ذات معدلات الفقر العالية، وبخاصة لجهتي انتشار التفاوت الطبقي وتخلي الدولة عن رعاية الشرائح الأكثر احتياجاً.. غير أن الحالة الإسرائيلية تستبطن أسباباً ومعالم أخرى للفقر، تجعلها تبدو مختلفة جذرياً عطفاً على اختلافها في التكوين التاريخي الاجتماعي بأبعاده الاستيطانية.

فمعظم المقيمين في قاع التجمع الاستيطاني الإسرائيلي هم من اليهود الذين هاجروا إليها من مجتمعات نامية، علاوة على فلسطينيي 48 أبناء المجتمع الأصلي.. بينما العائمون على السطح؛ المنعمون، هم أيضاً القابضون على ناصية العلوم والصناعة والتجارة والسلطة، والمحرضون الأصليون على السلوك العدواني الاستيطاني منذ بدايات المشروع، وجلهم يعود بأصوله إلى عالم الغرب المتقدم.

وقليل جداً من اليهود العرب والأفارقة، هم الذين ارتقوا بمسافة فارقة عن مستوياتهم الاجتماعية والاقتصادية لمراحل ما قبل استيطان فلسطين.

المهاجر، المستوطن، الذي وقع في شراك المشروع الصهيوني، ربما راودته فكرة المغادرة إلى حيث أتى، أو الهجرة مجدداً إلى مكان آخر يحمل وعوداً أفضل أو أكثر جدية.

تتجلى صحة هذا التقدير في أن نحو 40% من الشبان الإسرائيليين تحدوهم آمال الهجرة إلى الولايات المتحدة وكندا. وفى الوقت ذاته، لا يمثل الواقع الطبقي الاجتماعي الاقتصادي في إسرائيل أي إغراء لليهود الذين لم يهاجروا إليها بعد من أوطانهم الأم.

يهاجر بعض فقراء الدول النامية أوطانهم طمعاً في الخلاص من أوضاعهم المزرية. هذا صحيح، ونماذجه واضحة في رحلات المهاجرين واللاجئين إلى أوروبا على نحو ما نسمع ونرى. لكن التفكير بالطريقة والمعالجة ذاتها بالنسبة لفقراء كيان استيطاني كإسرائيل، ينذر بخطر وجودي، خطر يثير قضية تتعلق بالحياة أو الضمور والجفاف هبوطاً إلى درك الأفول.

ونحسب أن الوعي بهذه الحقائق، هو الذي استفز المخضرم شيمون بيرس، حتى أنه وصف معطيات التقرير المومأ إليه بأنها «.. لائحة خطيرة ضد أنفسنا، ولا يمكن الاستخفاف بها.. وكما جمعنا أموالاً للأمن والحرب، من واجبنا جمع أموال لمواجهة الفقر..».