في بعض الأحيان تكون الحقيقة مُرّة لحد الإضحاك، و مربكة لدرجة عدم وجود كلمات قادرة على وصفها، فأُمّتنا التي أتاها الأمر السماوي بقوله سبحانه: «اقرأ» لم يُخيّب أولها الرجاء، أما آخرها فقد جعل الرجاء يحك رأسه حيرةً .

و هو يرى أن العربي يقرأ ما معدله 6 دقائق في السنة بينما يقرأ «ابن الفرنجة» الأوروبي ما ينوف عن 200 ساعة سنوياً، و عندما يقرأ الطفل الأمريكي 6 دقائق في اليوم يقرأ الطفل العربي 7 دقائق و لكن في السنة، متفوقاً على أبيه الكبير بثانية واحدة، فللّه درّه !

عندما استلم «الحَكَم المستنصر» الحُكْمَ بعد والده الناصر في القرن الرابع الهجري بدأ بإنشاء جامعة قرطبة العظيمة و التي أصبحت لاحقاً منارة العلم في القارة العجوز، و أسس المكتبة الأموية التي بلغت مقتنياتها أكثر من 400 ألف مجلد في مختلف العلوم و الفنون و الآداب.

و شجع على ذلك حتى بلغت المكتبات في قرطبة ما يقارب 70 مكتبة بفهارس دقيقة و تصانيف عديدة، ثم دارت رحى الأيام لنرى من أُمّة العلم و المعرفة نكوصاً غير مسبوق تكاد تتقاطر منه السطور أسىً و لوعة !.

فعندما يصدر كتاب لكل 12,000 مواطن عربي يكون هناك كتاب لكل 500 إنجليزي و لكل 900 ألماني، و حتى لا يسارع البعض بقول أن الرقم ليس بذاك السوء أود الإشارة إلى حقيقة مُرّة تجعل هذا الرقم كابوساً فعلياً.

فإجمالي الكتب التي نشرت في العالم العربي عام 2007 بلغت 27809 كتب، لا تمثل الكتب المتعلقة بالعلوم و المعارف الحديثة -التي بمقدورها تهيئة حاضر أجمل ودفع عجلة التنمية - سوى 15% فقط بينما نصيب الأسد و هو 65% كان في الأدب و الانسانيات و العقائد التي يردح عليها البعض و يتقاتلون عليها طويلاً !.

لست من هواة جَلْد الذات و لكن من المهم أن نشعر بحجم المرض حتى يمكن التخلص منه، فالدول العربية مجتمعة لا يشكل نتاجها المنشور سوى ربع ما تنشره اليونان الصغيرة، و لا نترجم إلا خُمس ما تترجمه، و عنـــدما يتداول الأوروبيون في سوق الكتب ما قرابته 12 مليار دولار لا يزيد ذاك الرقم في نتاج أوطاننا من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي عن 4 ملايين لا غير.

و في عالم عالي التنافسية و كثير التقلبات يكون الأقوى هو الأسرع تكيفاً مع المتغيرات، و لا يمكن لعقولٍ منغلقة و آراء أحادية و ثقافة بسيطة أن تكون تلك القادرة على التكيف مع المتغيرات، ففاقد الشيء لا يُعطيه بل و لا يعترف بوجوده أصلاً !.

منذ عدة سنين أخذت حكومتنا الرشيدة على عاتقها مسؤولية أن تخرج الدولة من المنافسة الاقليمية لرحابٍ أوسع و تنافسيةٍ أعلى مع دول النخبة، و تم إثر ذلك ربط مؤشرات المؤسسات الحكومية بالمؤشرات العالمية المعتمدة فضمان ديمومة التنمية الشاملة يستلزم وضع مقاييس أعلى للحُكْم على نتاج قطاعاتها المختلفة.

و لأن جدوى المعرفة الأكثر تأثيراً هو عندما يكون ذاتي النتاج و ليس ذاك المستورد أتت مبادرة صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله باعتماد عام 2016 عاماً للقراءة لتكون الإمارات عاصمة للمعرفة و أن تُرسَّخ التنمية فيها على ركيزتي الابتكار و المعرفة ذاتية النتاج أو ذاتيّة التكييف.

في ضوء هذه المبادرة تتداعى كثير من النقاط التي من المهم أن يتم التركيز عليها، فدور القدوات Role Models من شخصيات رسمية و عامة مهم للغاية لتشجيع مُحبّيهم لمحاكاتهم شريطة أن يكون ذلك عادةً ظاهرة و ليس لمرةٍ واحدة، فتغيير العادات القديمة بجديدة يحتاج تكراراً و مدى زمنياً طويلاً حتى تثبت، كما لا بد أن ننتبه لحقيقةٍ مهمة بأن نخرج مما نريد نحن إلى ما يريد الجيل الجديد و من بعده.

فالاهتمامات تتباين و طريقة الطرح المفضلة تختلف بل و حتى الوسيلة لم تعد متشابهة، و لئن كانت الشريحة الأكبر منّا حالياً مولعة بالكتب المطبوعة فإنّ النزعة الجديدة و التي تتسّع بشكل متسارع تُفضّل الكتب الإلكترونية سهلة التناول و الحمل و التخزين.

جانب مهم أيضاً يتعلق بالترجمة و التي لا بد أن تنشط أكثر، و أن يتسع نطاقها ليشمل كل تفاصيل المعرفة و ليس ما يروق لدور النشر فقط أو ما تراه رائجاً، فالهدف لا بد أن يكون أكبر من قضية ربح مادي، و عندما أُشدِّد على الترجمة فما ذلك إلا لأن النتاج العربي المعرفي ضعيف للغاية كمّاً و كيفاً، و ما لم يُطْرَح أمام القاريء خيارات أقوى مادة و أكثر تماسكاً .

و إلا فإننا سنبقى ندور في مسارات هزيلة لا تسمن و لا تغني من جوع، فالنتاج العالمي المترجم سيكون هو المقياس الذي تُقارن به جميع الكتب التي تنتج في بلداننا العربية، و مالم يكن السقف عالياً و إلا لن يُطوّر الكُتّاب العرب من أدواتهم و بالتالي لن يستفيد القاريء من المعرفة إلا القليل و ستبقى ذات الشُقّة بين غالبية العرب و الكتاب لأنهم لا يجدون فيه ما هو قادر على اقناعهم بحمله أو فتح صفحاته.

و كم أتمنى من المؤسسات الرسمية المكلفة بالترجمة أن تركّز مشكورة أولويتها على نقل المعارف الحديثة و العلوم التطبيقية و ما نحن بحاجته فعلاً لبناء دولة متقدمة للغد، و أنْ تُقلّل قدر الإمكان ترجمة الروايات فأرفف المكتبات تئن بالآلاف منها مما لا فائدة كبيرة فيه.

ما أتمناه أيضاً أن أرى أسماء جديدة من المؤلفين، و أن تبادر المؤسسات المخوّلة بتفعيل المبادرة السامية بالبحث عن الآلاف المؤلفة من حملة الشهادات العليا بدولتنا من مواطنين و أشقاء وافدين لرفد المشهد الثقافي بنتاج معارفهم أو خبراتهم.

و أن يُمنحوا حوافز على ذلك شريطة أن يكون أسلوب الصياغة و الطباعة و الاخراج بما يلائم روح العصر و أن نبتعد تماماً عن تسويق العك العربي الـمُمْرِض من سرديات و غثاء و ما يُسمّى زوراً النقد الأدبي و الذي لايعدو أن يكون طلاسم لا يفهمها حتى من كتبها بحثاً عن الشهرة و ادعاء النخبوية مما أبعد الناس تماماً عن الاقتراب من الكتب، و هو الأمر الذي قد يفــــسر سرّ دقائق القراءة الست كل سنة فقط !