كان من الواجب أن أذهب إلى بلادي فلسطين لحضور حفل توزيع جوائز السلطة الفلسطينية بوصفي عضواً في لجنة منح الجوائز، وتقدمت السلطة بطلب إلى سلطة الاحتلال التي رفضت بدورها الطلب، أنا الفلسطيني من طولكرم وعمر بيوتنا فيها وفي ضواحيها يفوق عمر دولة إسرائيل بأربعمئة عام لا يسمح لي حتى بزيارة وطني.

تأملت هذه الواقعة وأنا أتذكر هذه الأيام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان. جاء في ديباجة الإعلان العالمي لحقون الإنسان أن الاعتراف بالكرامة المتأصلة في جميع أعضاء الأسرة البشرية وبحقوقهم المتساوية الثابتة هو أساس الحرية والعدل والسلام في العالم.

ما جاء في المادة الخامسة عشرة منه أن (1) لكل فرد حق التمتع بجنسية ما. (2) لا يجوز حرمان شخص من جنسيته تعسفاً أو إنكار حقه في تغييرها.

وهذا يعني أن الكرامة الإنسانية تقتضي أن يكون للإنسان جنسية، بل إن هويته الشخصية غير ممكنة بلا بند الجنسية. ولكي يكون للمرء جنسية حقوقية يجب أن يكون مواطناً في دولة.

ماذا يعني أن يتمتع الإنسان بجنسية بوصفها اعترافاً بالكرامة الإنسانية؟ الجنسية هي العلاقة القانونية التي تقوم الإنسان والوطن والدولة، بحيث يكتسب الفرد - المواطن، جملة من الحقوق لا تتحقق إلا بوصفه منتمياً إلى دولة، بل ما عاد لأحد أن يتصور وجود أفراد لا ينتمون إلى دولة.

فالدولة التي تتبع إليها هي من حيث المبدأ بمثابة البيت الذي تملك ولا يحق لأحد أن يستولي عليه ويخرجه منه، إنه الذي يضمن لك حق العمل وحق الحياة وحق السفر وحق اختيار الحاكم وجميع الحقوق المدنية والسياسية، ولهذا كان تمتع الإنسان بجنسية دولته أحد أهم مبادئ حقوق الإنسان.

فَلَو أخذنا اللاجئ الفلسطيني منذ ثمان وأربعين وتسع مئة وألف والفلسطيني في الضفة تحت الاحتلال و بعد فك الارتباط مع الأردن سنجد أنه منذ زمن طويل وهو فاقد لحق الجنسية، فوطنه أمام عينيه وليس دولة، إنها حالة من أصعب أحوال العيش.

فالفلسطيني في لبنان لا يملك أي حق من حقوق المواطن اللبناني في العمل والسكن والطبابة إلخ، وحدود المخيم رُسمت مرة واحدة وإلى النهاية، إنه لا يملك جنسية ولا يملك حق اللاجئ، والعالم منذ عام 1948 وهو يتفرج على اللاجئ الفلسطيني دون أن يجد حلاً لوطنه المحتل وتحويله إلى دولة.

وفكرة الدولة الفلسطينية هي حق وتندرج في بنود إعلان حقوق الإنسان، والصمت عن سلب الحق هذا مشاركة في الاعتداء الصهيوني - الإسرائيلي على حقوق الإنسان الفلسطيني.

في بلد كسوريا فإنك تحتاج إلى موافقة أمنية حتى يحق لك العمل في أية وظيفة من وظائف الدولة حتى لو نجحت بالمسابقة المعلنة لذلك. وهناك عدد كبير من الناس لم يستطيعوا العمل بسبب عدم الحصول على الموافقة الأمنية.

والأكثر مأساوية الآن هو حال السوري الذي غادر وطنه معارضاً ويحمل جنسية دولته ولكنه عملياً لا تعترف دولته بجنسيته ولا بحقوق جنسيته. ويجد نفسه هائماً على وجهه في أنحاء البلاد، باحثاً عن دولة تأويه، وقس على ذلك حال العراقي المشرد منذ الغزو الأميركي لبلاده، بل وما قبل ذلك.

وفكرة المكان المؤقت في بلاد اللجوء فكرة خطيرة جداً على النفس، تجعل الكائن واقفاً على أرض رخوة، مهدداً دائماً بخطر الترحيل.فضلاً عن الشعور بأن الآخر ابن الدولة قادر على خلق الإحساس لديك بالاغتراب، وهو شعور ممض لو حدث.

 ليس مشكلة أين يعيش الإنسان، وفي أي مكان إذا كان هذا خياره الشخصي، طالما هو يمتلك جنسية وطن - دولة تشعرك بحرية العودة إليه متى شئت وتشعرك بالحق الذي لا أحد بقادر على أن يسلبك إياه.