رغم أن كلمات المرشحين الجمهوريين للرئاسة الأميركية في منتدى «اللجنة الجمهورية اليهودية» الأسبوع الماضي لم تخرج عن المزايدة التقليدية في إظهار الدعم المطلق لإسرائيل إلا أنها حملت مفارقات كاشفة جسدت واحدة من أهم العلل التي يعاني منها النظام الأميركي نفسه.

أولى المفارقات كان بطلها جيب بوش، الذي لم تفلح كل محاولاته، حتى كتابة السطور في الصعود بمقدراته بين الناخبين الجمهوريين. فهو اختار أن يعبر عن ولائه لإسرائيل باستخدام اسم أخيه الرئيس السابق جورج بوش الابن. فبعد أن ظل منذ إعلان ترشحه، يهرب من اسم عائلته ويؤكد أنه صاحب مواقف مستقلة عن والده وأخيه، بدا الرجل في صورة انتهازية حين وجد أن لأخيه مزية يجب استخدامها. فهو قال إن مستشاره الرئيسي فيما يتعلق بالشرق الأوسط هو أخوه الرئيس السابق بوش الابن، الذي يحظى بشعبية بين اليهود الجمهوريين.

وكان طبيعياً أن يتجاهل جيب بوش اسم والده صاحب السجل الحافل بالتوتر مع اليمين الإسرائيلي واليمين اليهودي الأميركي معاً. أما المرشح تيد كروز، فكان حديثه يأتي بوضوح من قاموس الأصولية المسيحية الصهيونية التي تؤيد إسرائيل بشدة لأسباب دينية رغم أن مواقفه في القضايا الأخرى المتعلقة بالميزانية مثلًا تضرها.

وكانت المفارقة الثانية في ذلك اللقاء هي ذلك الفارق الشاسع بين ما فعله دونالد ترامب وما فعله المرشحون بن كارسن وماركو روبيو.

فترامب، الملياردير، استخدم أسلوبه المعتاد في الحديث بلا توقف دون أن يقول شيئاً ذا مغزى فيما يتعلق بموقفه المحدد من القضايا المطروحة. لكن ترامب في هذه المناسبة بعد أن قال إنه طوال حياته «خصص وقتاً كبيراً» لإسرائيل.. صدقوني لم يقدم أي منهم ما قدمته «لإسرائيل، استخدم عدداً لا بأس به من الصورة النمطية السلبية التي تستخدم عادة ضد اليهود، ثم رفض أن يحدد موقفاً واضحاً من قضية القدس.

وكان ذلك بمثابة فارق شاسع بينه وبين بن كارسن وماركو روبيو اللذين كانا أحرص ما يكون على اجتذاب الجمهور المتلقي حتى أن كل منهما حرص على تقديم نفسه عبر قراءة الكلمة المكتوبة بدلاً من الاسترسال في الحديث.

وهو مسألة غير معتادة من المرشحين للرئاسة عموماً. فبن كارسن يعاني من جهل فاضح بشؤون السياسة الخارجية عموماً، حتى أن أحد مستشاريه قال للإعلام إنه لا يستجيب حتى للدروس التي يتلقاها! لذلك حرص الرجل على تجنب الوقوع في أية أخطاء تكلفه، فقرأ الورق الذي أعده له آخرون ثم ترك المنصة فوراً دون تلقي أية أسئلة من القاعة.

إلا أن بن كارسن لم يفلح حتى مع تلك الخطة الموضوعة، فكانت المفارقة أنه لم يعرف كيف ينطق اسم «حماس» فجاءت أشبه بنطق كلمة «حمص» التي هي الأشهر في أميركا بين من لا يعرفون شيئاً عن الشرق الأوسط ولكنهم يتذوقون مأكولاته في المطاعم المنتشرة هناك.

أما ماركو روبيو، صاحب الخبرة المحدودة، فقد حاول قدر استطاعته ألا يظهر سوى الولاء الكامل لإسرائيل.

ويرتبط الفارق الرئيسي بين ترامب من ناحية وكل من بن كارسو وروبيو من ناحية ارتباطاً وثيقاً بالمفارقة الثالثة، وهي أن «اللجنة الجمهورية اليهودية» لم تكن تخفي ما تريد أن تسمعه من أولئك المرشحين.

فكما قالت مجلة «فوروورد» اليهودية الأميركية، اعتبرت اللجنة ذلك المنتدى بمثابة «فرصة» تمنحها للمرشحين الجمهوريين ليقدم كل منهم «بديلًا قوياً» لمرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون، حتى أن كلمة السر التي صكتها اللجنة لدخول الإعلاميين على شبكة المنتدى كانت عبارة تقول «هيلاري مخطئة بخصوص إيران».

فكانت المفارقة أن المرشحين كانت لهم أهداف أخرى غير أهداف اللجنة التي يتحدثون في منتداها! فكل مرشح من هؤلاء كان هدفه أن يصبح الاختيار الأوحد لترشيح الحزب من جانب المتلقين. لذلك حرص كل منهم على أن يؤكد أنه أفضل من زملائه الجمهوريين في دعم إسرائيل، بينما كانت اللجنة تريد أن تعرف أيهما أقدر على هزيمة هيلاري كلينتون.

وتلك بالضبط هي إحدى علل النظام السياسي الأميركي.

فرغم أن أغلبية اليهود الأميركيين لا يزالون يعطون أصواتهم للحزب الديمقراطي، إلا أن الحزب الجمهوري يحظى بعدد من الرموز اليهودية الأميركية اليمينية التي تغدق في تمويلها للمرشحين الجمهوريين.

وباستثناء دونالد ترامب، الملياردير الذي يمول حملته بنفسه، فإن كلاً من أولئك المرشحين الجمهوريين في حاجة لذلك التمويل ليستطيع المنافسة على ترشيح الحزب. فالانتخابات التمهيدية التي ستبدأ في فبراير القادم والتي يجرى فيها الاقتراع في الولايات المختلفة تعني أن يجوب المرشح تلك الولايات المتباعدة ويمول دعاية انتخابية في غيرها، وذلك حتى يظل موجوداً أصلاً على الساحة وهو ما يجعل قضية التمويل هي الشغل الشاغل في المرحلة الحالية.

أما مواجهة هيلاري، فهي لا تأتي إلا بعد الحصول على ترشيح الحزب.