عام 2016 هو «عام القراءة» هكذا أعلنها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ،حفظه الله، لافتاً الأنظار إلى أهمية القراءة ومدى أثرها في تغيير المسارات الحياتية على المستوى الداخلي وأيضاً على المستوى الدولي.
وقبل أن نلقي الضوء على أهمية هذا الأمر، وجب أولاً أن ننظر إلى الوضع الحالي ومدى الاهتمام بالقراءة في مختلف الدول العربية، كما يجب أن ننوه أن حضارتنا العربية قائمة على لغتنا العربية الأصيلة، والتي تقوى كلما ازددنا من المطالعة والمعرفة.
ولكم نأسف لهذا المشهد، فلقد بَعُد معظمنا عن الكتاب، بل وانشغل أو شغلته أمورٌ عدة، خاصة بعد سهولة البحث عن الموضوعات دون عناء عن طريق البحث الألكتروني عبر وسائل الإنترنت. وإنني لا أعيب هذه الوسيلة لجهة كونها قد سهلت على الباحث المختص مراده. فكما كان لاستخدام الآلة الحاسبة بين يدي الأطفال من أثر سلبي في مدى القدرة على إجراء العمليات الحسابية البسيطة، فلقد أثرت السبل الميسرة في البحث سلبياً على الاستزادة والتثقف والاطلاع والنهل من أمهات الكتب.
فلم نعد نجيد فن الابتكار اللغوي، وتوظيف معنى الكلمة أو مرادفها بما يتوافق ومجريات الحديث، وتضاءلت حصيلة المخزون اللغوي لدى الكثيرين منا، فشخصية الإنسان تقوى بما لديه من معلومات اكتسبها بقراءاته في مجالات شتى في الحياة، بما يتيح له القدرة على النقاش مع الآخرين في تلك المجالات فيزداد معرفة، وليس هناك من يستطيع الاستغناء عن الاطلاع والبحث، إذ إن العلوم والمعارف مدونة في بطون الكتب، ولاستخراجها والعلم بها، لابد من قراءتها ومطالعة ما فيها، وبهذا يكون التقدم والازدهار.
وكما تعودنا فنحن ندرك تماماً أنه دائماً يوجد الحل، وليس هناك حقيقة ثابتة، ومن هذا المنطلق وفقاً لتوجيهات صاحب السمو رئيس الدولة وحرصاً من سموه على ريادة دولتنا في شتى المجالات، وهو ما لا يتأتى إلا من خلال زيادة الوعي والثقافة، فلقد جعل العام القادم هو عام القراءة، كما كان هذا العام هو عام الابتكار.

والصلة وثيقة بين القراءة والابتكار، بل لن يكون هناك ابتكار دون قراءة، ففاقد الشيء لا يعطيه، فلابد أولاً من تنشئة جيل من شبابنا يحرص على الاطلاع والنهل من أمهات الكتب، وزيادة التحصيل، فلا يكون العلم قاصراً على تلك المادة العلمية التي يدرسها في مراحله التعليمية، بل لابد أن يتعدى الأمر ذلك، فأفضل ما يقرأه الإنسان هو ما يختاره بنفسه، دونما إجبار عليه من أحد، وهذا النوع من القراءات هو الأكثر إمتاعاً فلقد أظهرت الدراسات أن 70% من المعلومات التي يتعلمها الإنسان ترد إليه عن طريق القراءة، أما الباقي فيتعلمه عن طريق التأمل والاستنباط والاستنتاج، وهو ما يتأتى بواسطة ما قبله من حصيلة المعلومات لديه.
فأمامنا توجد المعادلة الصعبة التي يجب حلها، فهذا هو التطور التكنولوجي وسهولة السبل في البحث والوصول إلى المعلومة دون عناء، وما يقابله من فقد للمخزون اللغوي العلمي والابتكاري، وهناك الكتاب بما يحتوي من علوم وفنون ومعارف، والنفس تأبى المشقة في البحث والمطالعة.
ومن هنا ينشأ دور أساسي تلعبه جميع العناصر المحيطة بشبابنا، وذلك لخلق جيل يعشق الكتاب، ويحب المطالعة ويجيد فن الابتكار والإبداع، فتكون البداية هي الأسرة التي تنمي في شخصية أبنائها هذه الفضيلة، وتحثهم عليها، بل وجعلها أحد سبل الحصول على الجوائز، ومراقبة الابن ومعرفة ما يهواه من فنون الحياة، فتمده بالكتب الخاصة بهذا المنحى، سواء الطب أو الهندسة أو القانون أو الشعر أو الأدب أو التاريخ، فترغبه في القراءة، لأنه سيقرأ عن ما يحبه.
ثم يأتي دور المؤسسة التعليمية، والتي يقع عليها دورٌ هام أيضاً، حيث يجب أن تتم مراجعة المادة العلمية بما يجعل الطالب أكثر رغبة في قرأتها، والعمل على إقامة المسابقات الثقافية لتحفيز الهمم على الاطلاع، وكذا تنمية الثروة اللغوية لدى الطلاب، وتشجيعهم على إقامة المعارض التي تحوي مختلف الفنون.
كما أنه لابد من ربط الكتاب بالتطور التكنولوجي المعاصر، لتظهر لدينا نوعية جديدة بجانب القراءة التقليدية، وهي ما تعرف بالكتاب الإلكتروني، فليس هناك ما يمنع أن تكون وسيلة التحصيل مواكبة للتطوير، فالغاية واحدة وإن اختلفت الوسائل، فغايتنا هي تغيير السلوك المجتمعي لنشر ثقافة القراءة، لجعل هذا التطور التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي غير قاصرة على تفاهات الأمور، بل يكون معول بناء لحضارة جديدة تقوم على أسس من العلوم والمعارف، تنبع من بين تلك الوسائل المختلفة، فيولد جيل جديد ممزوج بحب العلم ومواكبة التغيرات الحديثة، لفتح المجالات أمام الإبداع والابتكار المستمد من جذور عميقة تتمثل في كم المعلومات التي تم تحصيلها بالوسائل المختلفة في شتى المجالات.
وبهذا الجيل الواعي تستمر عجلة المسيرة التنموية للبلاد، وتظل دوماً معتلية عرش الصدارة والتقدم والرقي، ومحط أنظار غيرها من الدول.
فليس هناك رقي بلا حضارة، وليست هناك حضارة بلا علم، وليس هناك علم بلا معرفة، وليست هناك معرفة بلا قراءة.
فكل التحية والتقدير والاحترام لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ،حفظه الله، لتشجيعه وحثه أفراد الشعب على القراءة، لاستكمال مسيرتنا والنهوض بدولتنا، حيث بالقراءة يتأتى كل ذلك.