جاءني وهو ابن السابعة عشرة يطلب شراء إحدى الروايات التي يود قراءتها، فلبيت مرحبا، غير أني قلت له ولكن هذه الرواية منشورة الكترونيا، لم لا تقرؤها، وهو ابن عصر الإصدارات الإلكترونية، المتيم بالتعامل مع الواقع الافتراضي، في الحديث مع أصدقائه، وفي اللعب ومعرفة ما يدرو في العالم، وفي التعليق على الأحداث وبخاصة الرياضية منها، هذا الواقع الافتراضي الذي جعله ينتمي إلى فريقين في كرة القدم أحدهما وطني من بين الفرق المحلية «أهلي دبي» والآخر خارج الحدود الوطنية «برشلونة»، والملفت أنه يشجعهما بنفس الدرجة من الحماس والفاعلية، ويحزن بنفس الحرقة عند خسارة مباراة لأي منهما، ويتحدث بصيغة نحن عن كل منهما، وكأنهما منه وهو منهما، والحال كذلك في متابعته للفن والأفلام في إصداراتها الأولى ثم الأجزاء التي تليها، والتي قد تمتد إلى سبع أو ثماني نسخ من نفس الموضوع، لم لا ونحن نعيش عصر الشركات متعددة الجنسيات أو السلاسل الكبرى، والفن ليس ببعيد عنها، وكأن قدر هذا الجيل أن تكون له هوية وطنية، في الوقت الذي يحمل انتماءات للعالم البعيد القريب، ولله في خلقه شؤون.

رغم كل ذلك استوقفتني إجابته حين قال أنا لا أحب أن أقرأ الروايات إلكترونيا. قلت في نفسي لعمرك هذه آية تستحق التوقف لمعرفة أسبابها. فقال إن ما يدفعني لقراءة المطبوع هو أن القراءة الإلكترونية تشتت ذهني وتفكيري، حيث لا أستقر على موضوع، فبينما أنا في موضوع أنتقل إلى موضوع آخر يجذبني إليه العنوان، ثم أجدني انتقلت من موضوع إلى آخر، وهكذا دواليك حتى أفقد الصلة بالموضوع الأول، وأجدني لدي معلومات عن موضوعات متعددة، لكنها غير مكتملة أو عشوائية، استهلكت مني طاقة ذهنية، واستغرقت فيها دون أن أخرج بشيء محدد.

كما استوقفني الجانب النفسي في قراءة المطبوع عندما قال إن قراءة المطبوع تشعرك بأنك تقرأ النص الأصلي أو النص الذي كتبه المؤلف وليس النص الذي تم إعداده وتحميلة الكترونيا، وهذا يعطيك شعورا جميلا كمن يتنسم عبير الورود الطبيعية. والمطبوع يمكنني من الاحتفاظ به، وهو ما يمثل قيمة نفسية تجعلني أتذكر دائما الأماكن التي قرأته فيها، وكذلك المرحلة السنية التي مثل فيها أحد روافد تكويني، حتى لو تطور أو تغير، كما أنه يمكنني من توريثه لغيري من إخواني أو أولادي، الذين يرون في احتفاظ والدهم بالمطبوع سلوك حميد انتفعوا به من بعده ليكون ذلك سلوكهم مع من يليهم، كما أنه يزداد قيمة مع مرور الزمن، وقد يكون إحدى الثروات التي يمتلكها الفرد كمن يمتلك عقدا من المجوهرات أو التحف النادرة وهو ما لا يمثله الإلكتروني في أية مرحلة من مراحل التعامل معه.

أضف لكل ذلك أن قراءة المطبوع تمدك بخيال وأفق كبير المدى، وأنه يلهمك القدرة على الإبداع بشكل يفوق المطبوع، فملمس الورق ورائحة الحبر ما زالا لديهما القدرة على إلهام القارئ بأفكار إبداعية يستطيع أن يدونها على هوامش الصفحات بقلمه الرصاص، الذي يمثل مداده شكل الزمان والمكان الذي دون فيه، وهو ما لا يجعلك تقرأ فقط النص الذي بين يديك لكنك تعيش في ثناياه، وهو أمر يصعب مع الإلكتروني الذي قد ترجع إليه اليوم أما في الغد فقد تجد غيره، كما أن نمط قراءة المطبوع والسياق الذي يتم فيه يختلف عن قراءة الإلكتروني، ذلك أن التحكم في بيئة القراءة في المطبوع أكبر، ذلك أنه يمكن قراءته قبل الخلود إلى النوم، ووضع المطبوع في مختلف الأمكنة دون الخوف عليه من الكسر أو الخدش كما يحدث للإلكتروني، كما أنه يعطي روحا من التغيير تؤثر في حالة الاطلاع ذاتها بدلا من استخدام نفس الوسيلة لأغراض متعددة.

هذه ليست رؤية الجيل الذي تربى على المطبوع تعليما واطلاعا فتحيز له؛ وإن شئت الدقة بنى موقفه المنحاز للمطبوع بناء على تاريخ مر به أو أسلوب تعلم به يوم كان هناك حصص دراسية في الخط العربي، لكنها رؤية جيل جديد عاش بين أحضان كل ما هو الكتروني منذ استيقاظه وحتى غروب شمس يومه، غير أنه مازال ينحاز بقناعته إلى المطبوع بعيدا عن الدراسات التي تظهر انتهاء عصر الورق، والتي يجب التدقيق في العينة التي اشتملت عليها وكذلك البيئة والمرحلة السنية للفئات التي أجريت عليها الدراسة.

من هنا فأنا أضم اختياري لاختيارات جيل الشباب الذي يتعامل مع الحياة الكترونيا ومع القراءة ورقيا لأنها تعطيه ما تعجز عنه النصوص الإلكترونية، لذا فإنني أعلن أننا لن نرحل مع أوراقنا، فالمطبوع باق وإن أظهرت الدراسات غير ذلك، لأن استقراء الواقع يقول غير ذلك، والواقع أصدق وأدق.