باريس.. عيد متنقل

ت + ت - الحجم الطبيعي

باريس أولاً، تعرضت لما جرى فيها من حوادث إرهابية، وكل من زار المدينة الفاتنة، التي لا حد لجمالها، عندما تابع أخبارها، حاول أن يتذكر أيامه فيها، وما تركته من آثار لا يمكن نسيانها، فعبقرية المكان في التعبير الذي نحته جمال حمدان في وصف ذاتية المكان المصري، يمكن استعارته ونصف به باريس.

احترت بين أمرين، إما أن يعود الإنسان لأوراقه، وينفض عنها غبار السنوات، ويستخرج منها ما دوَّنه من يوميات عن رحلته الباريسية سنة 1986 لحضور صدور الترجمة الفرنسية لروايتي: الحرب في بر مصر، وإما محاولة القراءة عن باريس، فالقراءة ربما كانت استحضاراً لما مضى.

اخترت الحل الثاني، خاصة أن من سأقرأ له عن باريس إرنست هيمنجواي، الذي كتب كتاباً جميلاً ومبهراً يعيد للعين متعة القراءة عن باريس، وأنا لا أربط بين اقتنائي الكتاب وقراءته، يمكن أن أحرص على وجود الكتاب معي، لكن الإقبال على قراءته لها مواقيت أخرى.

يُصدّر هيمنجواي كتابه بهذه العبارة:

عاش هيمنجواي في باريس خمس سنوات، من 1921 حتى 1926، إنها تلك الفترة التي يسميها الفرنسيون الحقبة الجميلة. أو سنوات الجنون. وهيمنجواي لا يدون يومياته في هذا الكتاب المهم عن تجربته الشخصية، ولا يتمحور حول ذاته، ولا يمارس نرجسية المثقفين، التي تصل لمداها في سنوات الشباب، وعندما نعرف أنه مولود في 21 يوليو 1899.

فإن هذا معناه أنه عاش في باريس، وكان في العقد الثالث من عمره، وصل إليها وكان في الثانية والعشرين، وتركها وهو في السابعة والعشرين، وربما كانت أهم سنوات التكوين بالنسبة لأي مثقف. بقي أن نقول إن هيمنجواي مات منتحراً في الثاني من يوليو 1961.

اقترب هيمنجواي خلال وجوده في باريس من الشعر الأميركي إيزرا باوند، والشاعر الأميركي البريطاني تي إس إليوت. والروائي البريطاني جيمس جويس، والكاتبة الأميركية جيرترود شتاين، والروائي الأميركي سكوت فيتزجرالد، الذي خصص له فصلين كبيرين من فصول هذا الكتاب.

لم يدون هيمنجواي كتابه مباشرة بعد معايشته للفترة الباريسية، بل كتبه في السنوات الثلاث الأخيرة من حياته. كان قد اكتملت أدواته الفنية والفكرية.

ولذلك تعامل مع شخصياته وموضوعه بأسلوب روائي ساخر أخَّاذ. مترجم الكتاب ينبه قارئه إلى أنه يشكل جنساً أدبياً جديداً يختلف عن الأجناس الأدبية، التي مارسها هيمنجواي من قصة ومقال ورواية، فالكتاب عبارة عن ذكريات سيرة ذاتية صيغت بشكل روائي.

هيمنجواى يقول إنه كان من الممتع لو ضم هذا جميع الذكريات، ولكنه اضطر للتخلي عنها وقت كتابته. وللقارئ أن يعد هذا الكتاب من باب السرد الخيالي إذا أراد ذلك، ولكن ثمة احتمال دائم أن هذا النص السردي قد يلقى ضوءاً كاشفاً على الحقيقة والواقع.

ورغم أن هيمنجواي جلس يكتب عن أيامه الباريسية، لأنها كانت سنوات الشباب، فقد اختلطت بذكرياته الباريسية ذكريات تكوينه الثقافي في تلك الأيام. يكتب هيمنجواى:

- ولكن يحدث أحياناً أن أشرع في كتابة قصة ما، ولا أتمكن من التقدم فيها، فكنت أجلس أمام النار، وأعصر قشور البرتقالات الصغيرة على أطراف اللهب، وأشاهد الرذاذ الأزرق الذي تخلفه، وأنهض وأحدق في سطوح باريس، وأقول لنفسي:

- لا تقلق. لقد كنت تكتب دوماً من قبل، وستكتب الآن، وكل ما عليك أن تفعله، هو أن تكتب جملة حقيقية واحدة. اكتب أصدق جملة تعرفها. وهكذا أتمكن أخيراً من كتابة جملة حقيقة واحدة، ثم أواصل من هناك.

لقد كان ذلك أمراً ميسوراً، لأن هناك دائماً جملة حقيقية أعرفها أو رأيتها أو سمعت شخصاً ما يقولها، وإذا بدأت الكتابة بتكلف أو كمن يمهد لتقديم شي ما، شعرت بأن عليّ أن أحذف المحسنات والمقدمات والالتواءات اللفظية، وأرمي بها بعيداً لأبدأ بأول جملة خبرية حقيقية بسيطة كتبتها.

ويكتب هيمنجواى أيضاً:

- ليست القصة القصيرة ديباجة مرصعة، ولا ألفاظاً منمقة، ولا أحداثاً لافتة، ولا حركة عنيفة، ولا هي عقدة دقيقة، ولا حبكة متينة، بل هي همسة أو لمسة أو خفقة أو مسقط ظل، أو شعاع ضوء، أو فتنة لون، أو ما إذا ذلك من إيحاء الفن، ومن هنا لا تكون كما يبدو عملاً هيناً.

ويكمل هيمنجواي اعترافاته مع الكتابة خلال أيامه الباريسية:

- في تلك الغرفة أيضاً تعلمت ألا أفكر في أي شيء أكتب عنه أبدأ من اللحظة التي أتوقف فيها عن الكتابة إلى الوقت التي أستأنفها فيه في اليوم التالي. وبتلك الطريقة يتاح لشعوري الباطني أن يعمل عليه. وفى الوقت ذاته أستطيع أن أستمع إلى الآخرين وأراقب كل شيء.

كنت آمل أن أتعلم، فأخذت أقرأ حتى لا أظل أفكر في عملي، وأجعل من نفسى عاجزاً عن القيام بها. كان يخالجني إحساس رائع عند نزولي السلم بعد أن أنجز عملاً جيداً، وهذا يتطلب الحظ والانضباط كذلك، فأشعر بأنني طليق أستطيع أن أمشي حينما شئت في باريس.

ويقول:

- تعلمت من رسم سيزان أشياء عديدة مكنتني من الاكتفاء بكتابة عبارات بسيطة حقيقية، لتضمين قصصي الأبعاد التي أتوخاها. تعلمت منه كثيراً، ولكنى لم أكن بليغاً بالقدر، الذي يتيح لي تبيان ذلك للآخرين.

في الكتاب آراء جارحة في بعض الكُتَّاب، ولو كانوا معاصرين لقلت تصفية الحسابات، ولكن الكثير منهم ماتوا. ولذلك تبقى آراء مهمة لروائي، عندما قرأ غيره من الروائيين.

طباعة Email