لم تلتحق بريطانيا بالجماعة الأوروبية فور نشأتها قبل ستين عاما، لأنها أبت الالتزام بسلطة فوق قومية، لكنها عادت للسعي حثيثا الي عضوية هذه التجربة الفوارة، حتي تحقق لها ذلك عام 1973، بعدما تأكدت من عزلتها أوروبيا.

جاء الاحجام البريطاني عن الركب الأوروبي الجماعي، ثم الاقدام عليه، عن حسابات قومية صرفة للربح والخسارة، وهي الحسابات ذاتها التي حكمت السياسة البريطانية تجاه هذا الركب. قياسا بدول القلب الكبرى في التجربة الأوروبية الاتحادية، ألمانيا وفرنسا وايطاليا، كانت بريطانيا الأكثر جدلا حول مسار التجربة وحدود سلطاتها مقابل السيادات القومية.

وفي هذا السياق، كانت لندن الأكثر تداولا لفكرة الخروج علي التجربة والنكوص الى الخندق البريطاني الخالي من دسم التيار الأوروبي. والمثير أن المصنفين ايديولوجيا وسياسيا كقوى يسارية، كحزب العمال، هم الذين أظهروا انشغالا فائضا بقضية التقوقع، بينما فضل المحافظون التروي في هذا الأمر.

وهذه واحدة من غرائب العقل السياسي البريطاني. في اطار هذا التأرجح، مارست بريطانيا دور "الشريك المناكف "، وألحت في مشاكساتها حتي ما عادت تمر بضع سنوات دون أن تستثير بقية الأعضاء بشأن قضية أو أخرى.

كحدود تدخل الدول في تحديد الأجور والأسعار وضبط التضخم، أو مقدار المساهمة في الميزانية الاتحادية، أو تعريف المستفيدين من المساعدات الزراعية والصناعية، أو مقدار الجرعة العابرة للحدود في الدستور الأوروبي. وقد بلغ الحرد البريطاني أوجه بعدم الانضمام الى العملة الموحدة ومنطقة اليورو منذ انطلاقها عام 1999 وحتى الآن.

واليوم بات العزوف عن الانخراط في سياسة مشتركة حيال الهجرة والمهاجرين واللاجئين إلى القارة العجوز، والرغبة في تضييق حرية التنقل داخلها، ضمن أهم الذرائع لاحتمال الطلاق البريطاني خلعا مع الاتحاد الأوروبي؛ بناء علي استفتاء شعبي يفترض اجراؤه عام 2017.

وفقا للحسابات المصلحية البحتة، سياسيا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا، نرجح كفة البقاء البريطاني في الحيز الاتحادي. فهذا الحيز يمنح البريطانيين قوة مضافة قارية الامكانيات، تسمح لمملكتهم بادعاء استمرار صفة العظمة التي عاشوا عليها حقبا. والأدعى لهذه الأرجحية، أن مصلحة واشنطن تقضي بعدم تشجيع الحليف البريطاني الصدوق على مغادرة الملعب الأوروبي الفسيح، كونه يشكل حصان طروادة الأميركي هناك.

ومن المعروف أن لسان حال السياسة البريطانية يكاد يقول بأنها أوروبية الهوية أميركية الهوى. بصيغة أخرى، كانت لندن وماتزال أحد أدوات السياسة الأميركية الأوروبية، وأغلب الظن أن تغريدها خارج السرب الأوروبي سيجعلها كالعنزة الشاردة.

وقد عاش هذا السرب وتعززت أواصر وحدته لنحو عقدين قبل أن يلحق به اليريطانيون وهم شبه صاغرين. حقا ستتضرر صورة المسيرة الاتحادية الأوروبية بخروج بريطانيا ؛لكن هذه الصورة لن تنكسر أو تتشظى بالقدر الذي ستتضعضع بها مكانة بريطانيا قاريا ودوليا .

يبدو أن البريطانيين مازالوا يحنون الى زمن العظمة القومية، وهي مكانة مرت عليها تحولات الزمن، ومستجدات محددات القوة والمنعة التي ما عادت تتحقق الا بالوحدة مع الشركاء القاريين. والمؤكد أن عقود الشراكة هذه أسست لارتباطات وتشبيكات مصلحية يصعب التخلي عنها أو الفكاك منها بسهولة.

رب مجادل هنا بأن حوادث الارهاب والعنف الزاحفة نحو أوروبا، ربما أعادت الزخم لتيار الانكماش القومي البريطاني، تحت هواجس الخوف من الآخرين، غير ان هذه الهواجس ذاتها قد تكون عاملا مساعدا علي ديمومة الانغماس مع بقية الشركاء التاريخيين في موروث الاجتماع الثقافي السياسي الغربي القاري، ذلك للاستدفاء والاستقواء بهم في مواجهة هؤلاء الآخرين . الشاهد أن لندن أدمنت على موجات الحرد والتمنع ازاء التيار الاتحادي الأوروبي الجارف..

وأن حراس هذا التيار تعودوا بدورهم على استيعاب هذه الموجات. ولهذا فان القطيعة الكلية أو الطلاق البائن لن يقع بين هذين الجانبين. لن يحدث ذلك اليوم ولن يحدث بعد عامين. ونقترح أن يبني العرب سياساتهم ازاء هذه الموضوعة تأسيسا على هذه القناعة.