تمثل موافقة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة ،حفظه الله، على اعتماد السياسة العليا لدولة الإمارات العربية المتحدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والابتكار خطوة رسمية تعلن انتقال الدولة الفعلي إلى عصر ما بعد البترول سواء من حيث الاقتصاد السياسي للدولة أو من حيث بناء الإنسان وتنميته المتوازنة.

فالدولة التي تجاوزت المنتجات غير النفطية في ناتجها القومي الإجمالي نظيرته النفطية تعلن اليوم أنها لن تنتظر حتى آخر برميل من النفط لتقول وداعاً، بل تقول له منذ الآن وداعاً، لأنها لن تبقي إنسانها واقتصادها ومشروعها المتحضر أسيراً لمصدر واحد فقط من مصادر الدخل والثروة الوطنية.

والحقيقة أن اعتماد هذه السياسة يمثل تتويجاً لكل الجهود السابقة لتنويع مصادر الدخل الوطني وتقوية فروع الاقتصاد غير النفطي، وخصوصاً في المجالات المستجدة كالصناعات المتقدمة والدعم والنقل والقاعدة الصناعية القوية في المناطق الحرة والمدن المتخصصة وغيرها..

إضافة للبناء على ما تحقق من بنية تحتية أساسية مهمة لقطاع البحوث العلمية سواء في مدينة مصدر أو مدينة دبي الطبية أو جامعات الدولة.

وفي الوقت الذي تخصص فيه الدولة مبلغاً ضخماً يناهز الثلاثمائة مليار درهم للاستثمار في 100 مبادرة في القطاعات التعليمية والصحية والطاقة والنقل والفضاء، تطلق أيضاً مجموعة سياسات وطنية جديدة في المجالات التشريعية والاستثمارية والتكنولوجية والتعليمية والمالية، بهدف دفع الاقتصاد الوطني بعيداً عن الواردات النفطية وتغيير معادلاته.

هذه الوقائع بمجملها تنقل اقتصادنا الوطني نقلة نوعية إلى الأمام سواء من حيث جودة الاقتصاد ومنعته أو من حيث مستوى الأداء الاقتصادي ومتانته، بحيث أصبحنا اليوم نتحدث بشكل رسمي عن انتقال دولة الإمارات العربية المتحدة إلى مصاف العالم الأول، كدولة صناعية، بحثية، تعلي قيمة العلوم والتكنولوجيا والابتكار في تنمية قطاعاتها الاقتصادية والحياتية المختلفة، بل وتسبق عصرها ومحيطها في سباق الحكومة الذكية، وفي بناء المدن الذكية وفي استكشاف الفضاء، وفي تنويع الاقتصاد، وفي التخلي عن الاعتماد الكلي على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

السؤال الذي يطرح نفسه هنا بشدة هو ما دورك أنت كمواطن في هذه العملية؟ لكي أجيبك على هذا السؤال اسمح لي أن أذكرك بثلاث عبارات قيلت يوم السبت سيخلدها التاريخ باعتبارها تلخص رؤية قيادتنا الحكيمة لدور الإنسان في عملية التنمية.

العبارة الأولى قالها صاحب السمو رئيس الدولة ،حفظه الله، : «إن دولة الإمارات راهنت منذ البداية على بناء الإنسان وعقله ومواهبه وطاقاته، واليوم، يقود هذا العقل مسيرة التنمية، واعتمادنا سيكون عليه بعيداً عن الموارد النفطية».

أما العبارة الثانية فقالها صاحب السمو نائب رئيس الدولة ،رعاه الله،: «إن الدول الواعية والشعوب المتعلمة لا ترهن مستقبلها إلا لعقولها ولأبنائها، وإن الاستثمار في البنية التحتية غير المرئية، كالتدريب والتعليم والأبحاث والتطوير وبناء المهارات والعقول، لابد أن يسبق الصرف على البنية التحتية المرئية، كالجسور والأنفاق والمباني في المستقبل القريب».

والعبارة الثالثة قالها صاحب السمو ولي عهد أبوظبي ،نصره الله،: «إن الإنسان هو الثروة الحقيقية التي راهنت عليها الإمارات وسيبقى كذلك قائد التغيير والإبداع والابتكار في كافة المجالات، مؤكداً أن ثقتنا لا حدود لها في قدرة أبناء الإمارات على ترجمة هذه السياسات إلى واقع يضع الإمارات في ركب الدول المتقدمة».

إذن خلاصة هذه العبارات كلها، بل وخلاصة كل السياسة العليا التي اعتمدها القادة العظام، يمكن إيجازها في كلمة واحدة هي أنت. نعم أنت، أيها المواطن الإماراتي، محور عملية التنمية ومحور عملية الانتقال إلى اقتصاديات الجيل الخامس، ومحور الاقتصاد المبني على العلوم والتكنولوجيا والبحوث والابتكار.

صحيح أن هذا معناه أن الوطن الإماراتي، ومواطنيه، سيحافظون بإذن الله ثم بفضل رؤية القيادة، على مستوى معيشي متميز حتى لو انتهى النفط تماماً غداً، لكنه في الوقت نفسه سيفرض على المواطن الإماراتي تحديات جديدة ومهمة يواصل من خلالها ما بدأه من جهود خصوصاً في دمج مبدأ الابتكار في العمل..

والتوقف عن الاعتماد على الوظيفة الحكومية/الإدارية المريحة لصالح العمل في القطاعات البحثية والصناعية والتقنية والمهنية، وربما يتطلب ذلك إدخال قيم جديدة إلى سوق العمل والتوظيف الوطنية ترتبط بتحقيق الأهداف السامية التي وضعتها هذه السياسة العليا.

وسواء كنت أنت الآن في مقتبل الشباب تهيئ نفسك للدخول إلى سوق العمل، أو أباً شاباً تسعى أن تربي أبناءك وتعلمهم بما يتوافق مع احتياجات دولتهم تنموياً واقتصادياً، فإن السياسة العليا للعلوم والتكنولوجيا والابتكار توفر لك خارطة طريق للمستقبل تسمح لك أن ترسم خطواتك وأن تختار مسار حياتك بعناية وتوفيق.

ومن يدري، فربما يصبح شعار الناس في النصف الثاني من هذا القرن شبيهاً بما كان في النصف الثاني من القرن الماضي: «فلان عقله وتفكيره إماراتي»، بدلاً من «فلان عقله وتفكيره ألماني أو ياباني».

هل نحن أقل منهم؟ لا، والله.