كانت نسمات بواكير الشتاء قُبيل المغرب تُضفي على المجلس الكبير في الهواء الطلق ألَقاً يُحاكي ألَقَ صاحبه، ولم يكن أحدٌ من الحضور يشعر بغُربة مكان، وصاحب المكان يتعاهد الجميع باهتمامه ويمر عليهم فرداً فرداً لتحيتهم والسؤال عن أحوالهم، لا يكاد يغيب عنه اسم رغم أن العدد بلغ المئات، تمر اللحظات وتدخل مجموعة من أطفال المدارس للقائه، ثم تتسابق عدسات المصوّرين في وسط المجلس الحافل وصاحب الابتسامة المحبّبة يقترب من الأطفال ويقف وهو يسألهم بحنوّ الأب ممازحاً: «تسمحون أصوّر معاكم؟».
وعبثاً حاول المصوّرون إقناع الأطفال بالنظر ناحية العدسات فقد كانت أعين الحب مُعلّقةً بالواقف بينهم، انسل صوتٌ من خلفي لشخص وهو يقول: «الله يخليك لشعبك»، ذاك هو المختلف، ذاك هو صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، حفظه الله.
دار بعدها لي حديث ممتع مع معالي الدكتورة أمل القبيسي، كانت بدايته عن سبب زيارة هؤلاء الأطفال الذين لم يكونوا سوى المجموعة الثانية من أصحاب التقديرات العالية في مدارس أبوظبي ذات التقييم المرتفع حسب النظام الجديد لمجلس أبوظبي للتعليم، «ياله من تكريم»، قلتها .
وأنا أُكْبِرُ مبادرة بوخالد باستقبال هؤلاء الأطفال رغم جدوله المزدحم والوفود التي تتناوب تباعاً على ذلك المجلس المكتظ، إن ذاكرة الطفل لن تنسى ذاك الحافز الكبير، ولن ترضى بعده إلا بدوام التفوّق ولن تنقل لأقرانها في الفصول الدراسية إلا تلك التجربة التي لا تنسى، وذلك التكريم الذي كان على مشهدٍ من الجميع.
«رهاننا الحقيقي في الفترة القادمة هو الاستثمار في التعليم»، تلك كانت كلماته في افتتاح القمة الحكومية بدبي، قبل أن يمضى سموّه مؤكداً بصراحته المعتادة: «نحن نعيش فترة لدينا فيها خير ويجب أن نستثمر كل إمكاناتنا في التعليم لأنه سيأتي وقت بعد خمسين سنة ونحن نحمل آخر برميل نفط للتصدير، وسيأتي السؤال: هل سنحزن وقتها؟
» حينها أطبق الصمت على تلك القاعة المترامية والممتلئة عن آخرها بالحضور قبل أن يُجيب واثقاً حفظه الله: «إذا كان الاستثمار اليوم في مواردنا البشرية صحيحاً فأنا أراهن أننا سنحتفل بتلك اللحظة».
إن المستقبل لُجّة بحر عظيم قارب النجاة فيه العلم والمعرفة، ولئن كنا نتعلّم دروس ماضينا ونحسن بلاءً في حاضرنا، فإن الغد مختلف وما كان صالحاً الآن قد لا يكون كذلك في قادم الأيام، وعندما يلجأ الفاشلون إلى عالم التنجيم وضرب الودع يكون الأفذاذ قد أعدّوا بالعلم عُدّتهم ليصنعوا مستقبلهم بدل أن يقعوا في مصيدة التنبؤات..
فالأقدار ليست حظاً أو مصادفة بل هي اختيارٌ وقرار، فقدرك فعلاً ليس ما تنتظره بل ما تحققه، والعظيم لا ينتظر في سلبية وتواكلٍ ممقوت أن تتخطّفه الأيام وتتناهبه الأحداث ويسير في مدارات الآخرين، ولكنه من يصنع أقداره بعلمه وجهده وثقته بنفسه وتوكلٍ على الله بعد أداء الأسباب، لا يتبع البقية ولا يرضى بالطرق المزدحمة بل كما قال بوخالد يوماً خلال أحد الاجتماعات: «إن ما لقينا طريق.. بنبني طريق».
إن التنافس على القمة يحتاج لعملٍ دؤوب وتخطيط مستمر وتسارع لا يتباطأ لضمان أن لا يسبقك بقية النخبة، فالسير على الاتجاه الصحيح لا يكفي بل لا بد أن تكون أسرع من البقية، ولئن كانت دولة الإمارات الأولى عربياً و28 عالمياً في مؤشر كفاءة الحكومة..
فإنها كذلك تحتل صدارة العرب والمركز 36 عالمياً في مؤشر مهم ألا وهو الابتكار، ولضمان تلك التنافسية أعلن صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله تعالى عام 2015 عاماً للابتكار، فهو ما يفصل بين الشعوب المتقدمة وما سواها ووحده القادر على خلق ميزة تنافسية للدول..
وعلى ذلك قدّم سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان «محاور الابتكار السبعة» لإحداث ثورة غير مسبوقة في تطوير المؤسسات الحكومية لتسريع واستدامة زخم التنمية الشاملة في الدولة في عالمٍ تترنّح فيه الكثير من دول العالم المتقدم.
أبوظبي من جهتها قامت بخطوة جريئة غير مسبوقة إقليمياً لقياس قدراتها الذاتية للابتكار من خلال نموذج رائد سبق وقامت كلية INSEAD لإدارة الأعمال بتطبيقه على المملكة المتحدة.
لإيمانها بأنّه لا يمكن أن نصل لوجهتنا ما لم نكن نعرف فعلاً الممكنات والقدرات والتحديات التي نمتلكها أو نتأثر بها ليكون بمقدورنا إثرها إجراء تحليل دقيق للفجوة المعرفية أو الاستراتيجية الفاصلة بين أين نحن وأين نريد أن نصل، وهو الأمر الذي كان سبباً إضافياً للاهتمام الكبير بتطوير منظومة التعليم.
ولأن سياسة «إطفاء الحرائق» لمواجهة التحديات غير مقبولة جُملة وتفصيلاً عند «بوخالد»، تم إطلاق استراتيجية أبوظبي التعليمية حتى عام 2020، وهي السنة التي سيكون لدينا فيها منظومة متكاملة مؤهلة لإنتاج المعرفة من خلال 11 مبادرة رئيسية، إحداها ..
وهي الابتكار تحتوي وحدها على ثماني مبادرات غير مسبوقة، وإمعاناً في قياس قدراتها «التعليمية» قامت أبوظبي بالمشاركة في الاستبيان الدولي للتعليم والتعلّم TALIS لعام 2014 لقياس كفاءة الهيئتين الإدارية والتدريسية إيماناً بأنّ ما لا يمكن قياسه لا يمكن إدارته ولا تحسينه، كما قامت بإطلاق مشروع «إعداد» لإعداد وتأهيل وتمكين المدرسين المواطنين..
وتبعها إطلاق «عَلِّم لأجل الإمارات» بالتعاون مع مؤسسة الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان لاجتذاب أفضل خريجي جامعات الدولة من جميع التخصصات للقيام بالتعليم في المدارس الحكومية لمدة عامين بعد تخرجهم.
إنّ هذا التعليم الذي يُعاد تأسيسه على التميز والإبداع والابتكار لهو أكبر ضمانٍ لدوام التنمية الشاملة، في عالم شديد التنافسية والتقلّبات الاقتصادية ترنّحت فيه دولٌ عظمى وتعثرت به عدد من دول الـBRICS الصاعدة، كان الرهان على تطوير التعليم هو الخيار الأمثل لضمان خلق «مناعة معرفية» قادرة على إبقاء الدولة في مسارات النمو المستدام، في دلالةٍ على أنّ مستقبلنا في أيدٍ أمينة وأننا «إنْ ما لقينا طريق بنبني طريق».