الهجمات الإرهابية التي تحدث بين الحين والآخر في العالم تصرف الأنظار عن مشكلات وقضايا مصيرية تعاني منها شعوب العالم أجمع، أنها تصرف الأنظار عن قضايا الفقر والجوع والبطالة وتغير المناخ والتصحر والقضايا الاجتماعية والاقتصادية الأخرى، التي تبدو بسيطة نسبياً عند مقارنتها بقضايا الإرهاب وضحاياه.
ملايين الدولارات التي من المفروض أن تخصص لمعالجة قضايا العالم المصيرية تحول سنوياً إلى ملفات مكافحة الإرهاب والحروب التي خاضتها الدول من أجل كبح جماحه، فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 احتل الإرهاب صدارة القضايا في اجتماعات رؤساء وقادة الدول العظمى والصغرى معاً، فما من دولة في العالم لم يطُلها الإرهاب أو لم تكتو بناره.
وعلى الرغم من أن نسبة بسيطة من الهجمات الإرهابية المرتكبة في العالم كانت أسبابها دينية (حيث إن الأغلبية كما ثبت من الإحصاءات كانت أسبابها إما انفصالية وإما أثنية) إلا أن أصابع الاتهام عند حدوث هجمات إرهابية غالباً ما تتجه نحو الإسلام والمسلمين، فمسلمو العالم البالغ تعدادهم 1.6 مليار مسلم غالباً ما توجه لهم الاتهامات التي عليهم تبريرها أو القبول بها.
الهجمات الإرهابية التي تحدث في العالم أصبحت تخدم إلى حد كبير موجة معاداة الإسلام، فما إن تحدث هجمة إرهابية وحتى قبل التأكد من أسبابها أو من يقف وراءها تتوجه أصابع الاتهام نحو المسلمين بغض النظر عن هوية منفذيها من ميليشيات متطرفة أو تيارات دينية متعصبة أو طوائف متناحرة.
هذا الأمر انعكس على أوضاع المسلمين عامة وخاصة الذين يعيشون في الغرب، فمثلاً هناك آلاف من المسلمين اللاجئين الذين فروا إلى الغرب هرباً من ويلات الحروب في بلدانهم. هؤلاء أصبحوا هدفاً ينظر لهم الغرب دوماً بنظرة الشك والريبة ويعتبرهم إما عاملاً لعدم الاستقرار في البلدان التي قدموا إليها وإما مشروع إرهاب قادم، فمن المستفيد من هذا المناخ المتوتر في العالم؟
المستفيدون كثر ولكن هناك طرفين هما الأكثر استفادة من هذه الهجمات الإرهابية: الطرف الأول هو التيارات المتشددة في العالم الإسلامي، التي تريد تبرير هجماتها على الغرب بحجة أنه لا يمكن للشرق المسلم والغرب العلماني أن يتعايشا مع بعضهما البعض. والطرف الآخر هو اليمين المتطرف في الغرب، الذي يريد أن يبرر رفضه وكراهيته للمسلمين بحجة أنهم إرهابيون ولا يمكنهم التعايش مع العالم المتحضر أو القبول به.
كلا الطرفين مستفيد من تزايد الهجمات الإرهابية في العالم وكل هجوم يرتكب باسم الإسلام يقدم لهم مبرراً جديداً لتبرير وتمرير وجهة نظرهم. وما ورد عن داعش الإرهابية مؤخراً يصب في هذا المجال، فمثلاً ورد عنها أنها لا تريد الدخول في حرب استنزافية كالتي حدثت في عين العرب – كوباني على الحدود السورية- التركية، فتلك الحرب أنهكتها وهي ليست مهيأة لخوض حروب نظامية..
وإنما التركيز على أهداف مدنية متعددة وفي آن. وما حصل في باريس يؤكد ذلك، فالهدف الذي تريده المنظمات الإرهابية ليس حرباً نظامية ولكن ضربات على أهداف مدنية توجه الأنظار لها في كل العالم، فالهدف من هجمات باريس ليس توجيه الأنظار إلى قضايا المسلمين المصيرية بل إلى صرف النظر عن وجود التنظيمات الإرهابية في سوريا والعراق ومصالحها الضيقة هناك.
إن العالم بأسره بحاجة إلى وقفة جادة غير متحيزة لتجنب وقوع مثل هذه الهجمات مجدداً، فالعالم بحاجة أولاً لتعريف الإرهاب وعدم الخلط بينه وبين الدفاع عن الوطن..
وثانياً العالم بحاجة إلى النظر إلى قضية الإرهاب بمنظار مختلف ودون تحيز، فعلي الرغم من أن الإرهاب قضية واحدة لا تتجزأ إلا أن هناك من يمارسه على مسمع من أنظار العالم دون أن يقوم العالم بفعل شيء، فمثلا، لا يمكن رفض إرهاب المنظمات والمليشيات المتطرفة والقبول بإرهاب الكيانات النظامية، كإسرائيل مثلاً، التي تمارس الإرهاب بصورة يومية على الشعب الفلسطيني.
إن شعوب العالم أجمع تدين وترفض الإرهاب بكل أشكاله وألوانه، فقتل المدنيين وتدمير البنى التحتية هو إرهاب ضد الإنسانية، فما وقع في نيويورك أو باريس أو أستراليا يشبه ما يقع يومياً في غزة والخليل ونابلس، فليتحد العالم ليضع قضية الإرهاب مع قضايا العالم الأخرى من فقر وبطالة وانتهاكات بيئية على بساط البحث والنظر لها على أنها أخطار متشابهة، تهدد عالمنا في القرن الحادي والعشرين.