الإصلاحات التي نادى بها العبادي رئيس الوزراء العراقي، اصطدمت منذ البدء بها، بمعارضة شديدة غير معلنة من قبل معظم الكتل السياسية في مجلس النواب العراقي، على الرغم من أن هذا المجلس هو من منحه التفويض بذلك، تحت ضغط الشارع الغاضب، ومباركة المرجعية الدينية في النجف.
كان جلياً منذ البداية، أن المهمة التي كلف بها رئيس الوزراء نفسه، تفوق طاقته، لافتقاره إلى رؤية استراتيجية للإصلاح من جهة، ولعدم تمتعه بدعم حزبه وكتلته النيابية من جهة أخرى. فالتلكؤ الذي حدث بعد بضعة إجراءات، ربما تصنف تحت باب التقشف وليس الإصلاح، بدأ يضفي على المشهد السياسي طابعاً جديداً يتسم بالجمود. فقد أصبح رئيس الوزراء في عزلة سياسية، بعد أن سحب المجلس النيابي التفويض الذي منحه في وقت سابق، ولم يعد يتمتع كما جاء بنفس المستوى من الدعم الأميركي أو دعم المرجعية الدينية، ناهيك عن الشارع المحبط، الذي عقد آمالاً كبيرة على مجيئه.
ولكن العبادي يصر على أنه ماض بكل قوة في نهج الإصلاحات، رغم القيود التي وضعت على إجراءاته، فليس أمامه خيار آخر، فقد سبق له أن قال حين باشر مهام منصبه كرئيس للوزراء «لا يمكن مواجهة داعش دون إجراء إصلاحات في العملية السياسية، وبنية الدولة وسلطات الدولة الثلاث»، وهو محق تماماً في ما ذهب إليه، ولا خلاف لنا معه، إلا أن ما نختلف فيه، هو المقصود بالإصلاح. فقد أشرنا في مقال سابق، إلى أن الإصلاح يتطلب وجود رؤية واضحة لما ينبغي أن تكون عليه الأوضاع، وجرأة لمواجهة الواقع المتهرئ، ويتطلب قبل كل شيء، تثبيت وفرض هيبة الدولة ومؤسساتها، وهذا لن يتم إلا من خلال حل جميع المنظمات غير الشرعية التي يتعارض وجودها مع الدستور، سواء كانت هذه المنظمات ميلشيات أو أحزاب أو غير ذلك، لأنها من يمنع نشر غسيل العملية السياسية البائسة.
مدخل العبادي الجديد لمقاربة الإصلاحات، هو تكوين كتلة نيابية كبيرة، تدعمه في المجلس، وتقف بوجه المالكي الذي يتزعم كتلة دولة القانون، التي تعيق إجراءاته، وتسعى للإطاحة بحكومته. خياراته في ذلك، هي محاولة كسر المبدأ الذي بنيت عليه العملية السياسية، وهو مبدأ التخندق العرقي والطائفي.
لم يتجه العبادي نحو حزبه أو نحو الكتلة النيابية التي ينتمي إليها، دولة القانون، لأنهما ليسا في صفه، ربما عدا بضعة أفراد، بل ذهب ينشد التحالف مع اتحاد القوى العراقية، الذي يتزعمه النجيفي، ومع كتلة المواطن، التي يتزعمها الحكيم، ومع كتلة الأحرار، التي يتزعمها الصدر، من أجل تقريب وجهات النظر، في خطوة جديدة باتجاه تشكيل جبهة نيابية واسعة لدعم الإصلاحات. تحالف كهذا، سيصلح بعض الشيء من هيكلية العملية السياسية، ويكسر انغلاقها على مبدأ المحاصصة، إلا أنه من جانب آخر، يتطلب خروج العبادي من كتلة دولة القانون، التي ينتمي إليها، وقد يتطلب خروجه من حزب الدعوة، في عملية انشقاق، لن تكون على أي حال الأولى في هذا الحزب.
ولكن الطريق نحو ذلك ليس بالسهل، فهذه الكتل التي يطرق العبادي أبوابها، هي الأخرى تتوجس من الإصلاحات، وهي على دراية تامة بمدى الضعف الذي بات عليه، فوضعت كل منها شروطاً للتحالف معه، وفي حالة نجاحه في مسعاه هذا، من المتوقع أن تنتقل آليات صناعة القرار وتمريره في المجلس النيابي من التوافقات بين الكتل الكبيرة، إلى توافقات داخل التحالف الجديد.
مشاكل العبادي في طريقها إلى التفاقم في القادم من الأيام، فهو سيواجه أموراً أكثر خطورة مما يواجهه الآن، فبعد تحرير قضاء سنجار من قبل قوات البيشمركة، واحتمال تحرير مناطق أخرى في سهل نينوى، سيواجه العبادي استحقاقات ما بعد داعش، فقد قرر إقليم كردستان ضم هذا القضاء التابع لمحافظة نينوى إليه، في خطوة تصعد الخلافات الخطيرة بين بغداد وأربيل، إلى مستوى جديد من التعقيد.
الولايات المتحدة ليست غافلة عما يجري في المشهد السياسي العراقي، ومن المستبعد في الوقت الحاضر، أن تتخلى عن دعم العبادي، وهو من جانبه لا يمتلك خيار خسارة دعمها، إذ لا يفوت المتابع للشأن العراقي، أن يرصد أن هناك حراكاً أميركياً حثيثاً على المستويين العسكري والسياسي، فقد كان لها حضور حقيقي في معركة تحرير سنجار، سواء بالإسهام المباشر بقيادة المعركة عن طريق خبرائها ومستشاريها العاملين مع قوات البيشمركة، أو من خلال الدعم الجوي الكثيف الذي قدمته، ومن المتوقع أن تتكرر هذه الصورة في ما يتعلق بتحرير مناطق أخرى من العراق.
أما على المستوى السياسي، فالولايات المتحدة تعيد النظر باستراتيجيتها في العراق، في ضوء التحدي الروسي في محاربة تنظيم داعش، والحضور العسكري القوي لموسكو في سوريا، الذي أغضب واشنطن إلى أبعد حد. ومع أن خيارات واشنطن محدودة في أطر العملية السياسية التي أوجدتها، إلا أنها ستمارس المزيد من الضغوط على القوى السياسية، وتعمل على أن يكون لها حضور قوي في موقع صناعة القرار في مجلس الوزراء. فإدارة الرئيس الأميركي أوباما، بدأت بمراجعة سياساتها المتراخية المتراجعة في منطقة الشرق الأوسط، التي قدمت وتقدم فرصاً مغرية لدول أخرى إقليمية أو دولية، لا تمتلك ما لدى الولايات المتحدة من سطوة ونفوذ، على تحديها والنيل من هيبتها.