كان لافتاً للكثيرين، انقضاض الرئيس الأميركي باراك أوباما كالنمر الجريح على أحداث الجمعة الماضية في باريس، مزايداً على صاحب الشأن الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، باكياً الضحايا، متوعداً الإرهابيين، حتى قبل أن يطل أولاند على شعبه ليخاطبه حول الأحداث المرعبة التي زلزلت بلاده وأوروبا بالكامل.
كان لافتاً، هذه الاستجابة التلقائية والفورية من جانب رئيس الوزراء البريطاني دايفيد كاميرون، واضعاً كل إمكانات بلاده تحت إمرة الرئيس الفرنسي لمحاربة الإرهاب والإرهابيين، دون أن يبدي قلقاً على رعاياه في الأراضي الفرنسية أو يحظر سفرهم أو حتى يبادر بإرسال طائرات عاجلة إلى باريس وغيرها من المدن الفرنسية لإعادة مواطني بريطانيا..
خوفاً عليهم وحماية لهم، مثلما فعل في واقعة تحطم الطائرة الروسية على أراضي سيناء المصرية. كان لافتاً، تلك التحولات الدراماتيكية على أكثر من صعيد لدرجة محيرة ومستعصية على الفهم، جموع البشرية في تلك اللحظات، لا يرون إلا قمة جبل الجليد، بينما الجزء الأعظم منه غاطس في غيابات الجب، لا نعلم عنه شيئاً.
كان لافتاً في خضم تلك التحولات، هزائم تنظيم داعش المتتالية، وتراجعهم أمام البشمركة والقوات العراقية والسورية / الروسية في مناطق نفوذهم في العراق وسوريا، ومقتل عدد من قادتهم في ضربات جوية متتالية، ثم الإعلان عن مقتل زعيم تنظيم داعش في ليبيا بعملية جوية نوعية...
ولكن كان لافتاً أيضاً، تلك «الانتصارات»التي حققها التنظيم في عمليات إرهابية متتالية وموجعة، لا يفصل بينها سوى أيام قليلة، إسقاط الطائرة الروسية في سيناء، إذا صحت فرضية تلغيمها، وتفجيرات برج البراجنة الإرهابية بجنوبي بيروت، ثم الهجمات الدامية في قلب باريس.
هذه التحولات والضربات جميعها، ليست وليدة اللحظة، ولا هي نتاج عمل عشوائي، التخطيط المخابراتي رفيع المستوى للطرف المستفيد، أو لكل الأطراف المستفيدة من تلك التحولات الكبرى، واضحة وضوح الشمس، فكيف يمكن لتنظيم آخذ في الاندحار والتقهقر، أن ينعم بمثل هذه العبقرية في التخطيط والتنفيذ لعمليات كبرى ضد قوى كبرى؟، الأيام وحدها هي الكفيلة بالإجابة عن مثل هذه التساؤلات.
ليس مستغرباً، أن يقف وزير الخارجية الأميركي جون كيري، ليعلن على الملأ أن القضاء على تنظيم داعش بات مسألة أيام، بينما كان رئيسه يعلن في واشنطن قبل أشهر قليلة، أن القضاء على داعش سيستغرق ثلاث سنوات على أقل تقدير، فهل عجلت الغارات الروسية بتعديل وتغيير الاستراتيجية الأميركية؟ هذا أيضاً سؤال يحتاج إلى خيال علمي سياسي، وصولاً إلى إجابة شافية.
التسوية في سوريا إذن، أصبحت ممكنة، ولكن على كثير من الجثث والأشلاء داخل الأراضي السورية والعراقية، وكثير من الدماء في سيناء وبيروت وفرنسا،..
وتلك الأخيرة تحديداً، هي مفتاح التحول الكبير الذي ستشهده منطقة الشرق الأوسط في المراحل القريبة المقبلة، بل يمكن القول إنها بداية الطريق نحو الشرق الأوسط الجديد، الذي تحدث عنه مدير المخابرات الفرنسية قبل عدة أيام، معلناً وفاة الشرق الأوسط القديم، وولادة آخر جديد، أبرز سماته، ظهور خريطة جديدة لسوريا والعراق، على أقل تقدير.
وفي ضوء تلك التصريحات والتطورات، يمكن الاستعانة بنفس راضية بالمثل العربي الشهير«ما أشبه الليلة بالبارحة»، فعندما دمرت القوات اليابانية الأسطول الأميركي في ميناء «بيرل هاربور» عام 1942، جاء الرد العسكري الأميركي مزلزلاً، إلى حد قصف اليابان بقنبلتين نوويتين لأول مرة في التاريخ، وعندما تعرضت واشنطن ونيويورك لهجمات 11 سبتمبر، كان المنهج ذاته هو المتبع، ...
وأطلق اليمينيون الجدد في حكومة جورج بوش الابن، حملتهم الشهيرة «لقد عثرنا على بيرل هاربور- نا»، وكانت النتيجة تدمير أفغانستان والعراق، وعسكرة العالم على وجه التقريب، خدمة للولايات المتحدة في حربها «الفاشلة» على الإرهاب.
وقياساً على المشاهد والخبرات السابقة، وقفزة الرئيس أوباما والحماسة البريطانية- الأوروبية الملتهبة، دعماً لفرنسا، فأغلب الظن، سيتم التعامل مع هجمات باريس باعتبارها «بيرل هاربور» جديدة، تستوجب رداً عسكرياً قاسياً، ستكون منطقة الشرق الأوسط، وخاصة سوريا والعراق، ملعبه وميدانه الرئيس، لإعادة ترتيب المنطقة، بما يخدم المصالح الأميركية / الأوروبية..
والشرق الأوسط الجديد الذي تحدث عنه مدير المخابرات الفرنسية، وربما يستوجب ذلك، إما تنسيقاً أو استهدافاً دخول أطراف إقليمية أخرى في ذلك المخطط، بزعم ضرب قواعد الإرهاب فيها، والحديث هنا عن لبنان وليبيا وسيناء تحديداً.
ولمجرد التذكير بمشاهد وتجارب سابقة، فقد زار القاهرة، على سبيل المثال، خلال الأسابيع القليلة الماضية، كبار قادة القوات الأميركية، على رأسهم قائد المنطقة المركزية، ووزير البحرية، ووزيرة القوات الجوية، وربما زاروا مناطق أخرى من الشرق الأوسط، وقد اعتدنا هنا في منطقتنا على انتظار نتائج كارثية، عندما تكثر مثل هذه التحركات،..
ولكن على أي حال، المؤكد أن بشائر ميلاد الشرق الأوسط الجديد قد باتت في الأفق، وقد تكون بعملية قيصرية، ولكن علينا أيضاً أن نتذكر أن السياسات الأميركية في مكافحة الإرهاب منذ منتصف السبعينيات في القرن الماضي وحتى اليوم، تدور في حلقة من الفشل الذريع، ولم تجر على العالم إلا المزيد من الخراب والدمار والإرهاب.