في البدء كانت فكرة، هكذا هي كل الأعمال العظيمة التي غيرت حياة الناس وخلدها التاريخ، والفكر هو الصفة التي ميز الله سبحانه وتعالى بني الإنسان دون خلقة، للدرجة التي أصبح معها الفكر عبادة يثاب الفرد عليه، والله سبحانه وتعالي يقول في سورة يونس «قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»، هي دعوة لإعمال العقل، ومن يعطل فكره فقد ارتكب في حق نفسه وفي حق مجتمعه خطأ كبير، يستوجب عتاب الله سبحانه، كما في سورة الحج «أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا»، وهو تقريع لمن أهمل التدبر في كونه، لأنه من يعمل فكره سيصل لا شك إلى الحق والحقيقة، وإلى ما فيه خير البشر، وجاء رسول الله، ليؤكد تفكر ساعة خير من عبادة سنة.

ولأن الفكر المبدع هو قاطرة التنمية والتطور، كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد «لم يعد ترفاً فكرياً، بل هو سر تجدد الأمم والشعوب، وهو الذي يحدد مكانتنا بين الدول». لذا، أحسنت مؤسسة دبي للإعلام صنعاً، حين أطلقت مسابقة «فكرتك في 30 ثانية» الرقمية، التي تحث الشباب على التفكير بطريقة مبدعة وابتكارية، والتي تهدف من خلالها إلى توجيه إعلامي المستقبل نحو الابتكار والإبداع، وتحفيزهم على إطلاق طاقاتهم الفكرية في سياق معاصر.

والحق أن أهمية هذه المسابقة، تبدأ من العنوان ذاته «فكرتك في 30 ثانية»، وهو في حد ذاته تحد يحتاج إلى قدرات ابتكارية، كي يتمكن المتسابق قول ما يريد قوله، وأن يصل بما يريد من أفكار إلى الآخر خلال 30 ثانية، وهو أمر ليس سهل المنال، يحتاج إلى إجمال لا يصيبه نقص، وإيضاح بعيداً عن التشويش، وخلاصة غير مبتورة أو مشوهه، وهي مهارة تحتاج إلى مران طويل، لأن الاختصار يحتاج إلى جهد أكثر من الإطالة، ولا يجيده إلا من ملأت عليه فكرته عقله، للدرجة التي يتمكن معها أن ينفذ إلى قلبها مباشرة دون إسهاب لا فائدة منه، والشاهد، ما اختتم به واحد من كبار الساسة العرب، حين أرسل إلى صديقة رسالة قائلاً في ختامها «آسف على الإطالة، فلم يكن لدي وقت للاختصار»، باعتبار أن الاختصار هو الذي يحتاج إلى وقت وجهد ومهارة، إن القدرة على عرض ما تريده في زمن محدد، يصل بفكرتك إلى قلوب وعقول الناس من أقصر الطرق.

كما أن توجه مؤسسة دبي للإعلام إلى الشباب لطرح ما لديهم من أفكار مبدعة تدور حول المجال الإعلامي في الإمارات، وكيف يرى الشباب المستقبل، هو اتجاه كاشف لما يدور في عقول الشباب، ومدى تلبية الرسالة الإعلامية المقدمة في الوقت الراهن لحاجاتهم، كما أنه بمثابة رؤية شبابية بروح وطنية، لما يود أن يكون علية الإعلام مستقبلاً.

ولا شك أن التوجه إلى الشباب والتواصل معهم، هو نهج انتهجته القيادة السياسية الرشيدة، عبر مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، والتي وصل متابعو صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد إلى 10.5 ملايين متابع، وسموه الذي أعلن غير مرة عندما سأله البعض عن مصدر أفكارك، فقال من عقول الناس، وهو منهج ملزم لجميع المؤسسات الرسمية والدوائر الحكومية وغيرها، بالبحث عن الفكر المبدع، أياً كان صاحبه.

إن الأعمال العظيمة تستند دائماً إلى أفكار مبتكرة، كما أنها تبدأ من خلالها، وقوة الفكر هي البداية الصحيحة لأي مسيرة ناجحة، والجهود الكبيرة والمستمرة إذا لم تقف وراءها أفكار مبدعة، باتت نوعاً من الهدر وإضاعة الوقت.

كما أن التفكير الابتكاري ينبغي أن يكون النهج الذي تتخذه جميع المؤسسات العامة والخاصة نهجاً لها، وأسلوب أداء وإشاعة ثقافة الابتكار بين المنتمين إليها والعاملين بها، لأننا في ظل هذه التحديات الجبارة، وفي عالم لا تصلح معه الحلول النمطية، لأن تحدياته شديدة التعقيد، لا يصلح التعامل معه بأفكار نمطية.

ولأن العلم بالتعلم، فإن التفكير الابتكاري يأتي عبر المران والجهد والتحصيل، ولأنه من المهم، أن يغرس ذلك في سنوات التكوين والشباب، فقد جاء إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عن إدخال منهاج الابتكار وريادة الأعمال، كمساق معتمد في كافة الجامعات الحكومية والخاصة في الدولة، على أن يبدأ تدريسه للطلاب في مختلف التخصصات في كافة المراحل الدراسية الجامعية، اعتباراً من الفصل الدراسي المقبل، وهو تجسيد عملي لهذا التوجه، وتأكيد على أن الجامعة جزء أصيل من هذا المجتمع تتفاعل مع قضاياه، كما أنها قادرة على تحمل مسؤوليتها الوطنية، عبر القيام بدورها في رفد المجتمع بطاقات وطنية قادرة على المساهمة في مسيرة البناء والنهضة.