سلوم

حَيْ فْوادْ

إن الموروث الثقافي في دولة الإمارات العربية المتحدة يزخر بالإرث الاجتماعي الذي ارتبط بالإرثين الأدبي والثقافي، والذي في طبيعة الحال هو المغذي الرئيس لما يسمى بالموروث الشعبي الذي ينتج ممارسات وتقاليد طويلة الأمد، لذلك تجد أن هذه الممارسات والتقاليد تنتقل من جيل إلى آخر دون عناء أو جهد، وعلى سبيل المثال الكرم، فقد انتقل الكرم لدى العرب كافة منذ مئات السنين..

وأصبح مضرباً للمثل في جميع أنحاء العالم دون عناء أو جهد، لأن السنين هي التي أنتجته مع التضاريس الجغرافية الصعبة، وحظي أيضاً بتأييد ديني سماوي، حيث قال الرسول صلى الله عليه وسلم: »إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق«، إذاً هناك إرث عبارة عن ممارسات مجتمعية وتقاليد عدة، انتقلت من جيل إلى آخر..

وشكلت ما يسمى بمكارم أخلاق خاصة بنا نحن عرب الجزيرة، ولا يعيها من سوانا نحن، وذلك لكون البعض يلومنا عليها أحياناً، كقولهم: أنتم لستم مجبرين على فعل ذلك، عندما نهب لنجدة مستنجد، ومع الأسف، هم يرون أن الشخص إذا أخطأ وجب عليه أن يدفع ثمن خطئه، ونحن نقول: الكل يخطئ، ومن يستنجد تجب مساعدته، حتى لو كان مخطئاً، وإذا انتقلنا إلى شرح جملتنا اليوم، سنجدها كسابقاتها، فهي جملة مكونة من كلمتين..

وتحوي في طياتها آلاف الجمل »حي فواد«، وتعني بالترجمة الحرفية أن القلب لا يزال ينبض وبه حياة، ولكن المعنى الاجتماعي له معانٍ عدة مختلفة، والحقيقة أن هذه الجملة تطلَق صفةً لشخص ما، في حين كان هذا الشخص يتمتع بصفات عدة، من خلالها يحصل على ذلك اللقب من الآخرين الذي يعتبر وساماً يحمله أينما ذهب أو أينما تصل أخباره.

»حي فواد« لا دخل لها بالفؤاد، أو إن صح التعبير القلب، إنما معناها أن هذا الشخص ذكي ومبادر إلى القيام بما يجب القيام به، وبديهي الفهم، ويقوم بما يوكل إليه دون الحاجة إلى خوض التفاصيل، هو يستطيع أن يقيّم الوضع، ويغير في خطة العمل بما يتناسب مع الوضع العام ومصلحة العمل الذي يقوم به.

هو دقيق الملاحظة، هو شخص لا تحتاج إلى أن تشرح له عملية سير الأمور، فلديه من الفراسة ما يمكّنه من اتخاذ القرار الصائب، هو شخص ينجز أعماله قبل أن يحدث ما يمكن أن يعوقها، هو شخص إن حلت على عمل ما كارثة، استطاع أن يخرج بأقل الخسائر..

أو سيقوم بما لا يستطيع أحد غيره أن يفعل أكثر منه، وقس على ذلك في مختلف أمور الحياة، سواء كان في عمل، أو في بيت مع أهله أو مع أصدقائه، أو في مدرسته أو جامعته، أو أي مجتمع، من الممكن أن تعيش فيه مجموعة من الناس، وعليه نقول:

»حي فواد« وسام محلي أو وشاح لا يستطيع أيّاً كان أن يحصل عليه إلا بجهد كبير مقترن بعقل يجعل من حوله يشعرون بتميزه، ولأوضح الصورة أكثر سأضرب لكم مثلاً، فلنفرض أن لديك مزرعة نخل، وتلقح النخل سنوياً في موسمه، ويحدث أنك تتعب كثيراً في الحصول على »النبات« أول الموسم، كما هي حال أغلب الناس الذين سنوياً يقولون: سوف نخزن البعض منه للموسم المقبل..

ولا يخزنونه لاستخدامه لأنواع النخيل التي »تطلّع« أول الموسم، وهذه أنواع تسمى في الدولة »الجدم«، يعني المتقدمة، وتخزين »النبات« حتى لا تمر فترة طلع النخل، فيصبح »النبات« بلا فائدة، فتعطب وتفسد ثماره، لأن هذه الأنواع من النخيل تقوم بعملية »الطلع« في وقت مبكر من الموسم، لا تجد فيه »النبات«، وهو لقاح النخيل، وتفاجأ بأن المزارع قد خزن البعض للغرض نفسه، فتقول: هذا المزارع »حي فواد«، وفي مثال آخر، يذهب أولادك إلى مكان ما، فيصل أحدهم، والآخر لا يصل بسبب الازدحام مثلاً، ويظهر أن الذي وصل قد حسب حساب الطريق بكل حالاته، كوقت الذروة في شوارع المدينة..

وفكر في طرق بديلة قبل أن يقع في مشكلة من الممكن أن تعوقه عن الوصول، ووصل في الوقت أو قبله بقليل، فنقول: فلان »حي فواد«، وهنا نجد أن موروثنا لديه من القدم ما يجعله في مقدمة الثقافات العالمية، لما يزخر به من حكم وممارسات وتقاليد، الحمد لله، جعلته صامداً أمام أقوى العواصف والمحن.

وللحديث صلة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات