يشهد هذا الشهر، نوفمبر 2015، مرور مائة عام على ميلاد أحد أبرز أحداث القرن العشرين وهو النظرية النسبية العامة لآينشتاين التي أصبحت بمثابة نقطة تحول كبرى في نظرتنا إلى الكون وإلى أحد أبرز ما يتحكم بمواقع وحركة نجومه وكواكبه وأقماره وهي «الجاذبية». فقد ظهرت هذه النظرية في العدد 49 من مجلة الفيزياء الألمانية «أنيل در فيزيك Annel Der Physik في نوفمبر 1915» ابتداء من الصفحة 769 وحتى الصفحة 822.

واحتفاء بهذه المناسبة عُقدت وتعقد المؤتمرات واللقاءات العلمية ويشارك فيها باحثون وعلماء من مختلف بلدان العالم على مدار هذا العام في كل من الولايات المتحدة وألمانيا والبرازيل وسلوفاكيا وصربيا وبريطانيا والنمسا والصين والهند.

ومنذ مولد هذه النظرية بعد مرور عشرة أعوام على مولد «النظرية النسبية الخاصة» عام 1905 أصبحت إحدى الأركان الأساسية في أقسام الفيزياء النظرية في أبرز الجامعات في العالم كبديل لنظرية نيوتن عن الجاذبية. تأمل آينشتاين في نظريته مصطلحات نتداولها في حياتنا اليومية: الزمن، الفضاء، القوة، المطلق، ولا نتوقف عندها لأن ثقافتنا قد منحتنا مُسلمات لا يرقى الشك إليها، إلا أنها حظيت باهتمامه فتوقف عندها وقفة قلبت الموازين وأطاحت بما كان ساكنا ومستقرا على مدى مائتين وخمسين سنة منذ وضع نيوتن قواعدها.

يتحدث آينشتاين في إحدى محاضراته حول أسعد لحظات التفكير فيقول«عام 1907 كنت جالسا في مكتبي بدائرة براءة الاختراع في مدينة برن (سويسرا) حينما طرأت لي فكرة مفاجئة: إذا سقط شخص ما سقوطا حرا فإنه لن يشعر بوزنه، كنت مأخوذا بهذه الفكرة البسيطة التي تركت أثرا عميقا على تفكيري، فهي التي دفعتني نحو نظرية الجاذبية، النظرية النسبية العامة. اكتشف آينشتاين، على خلاف ما كان يراه نيوتن، التشابه بين تأثير الجاذبية وتأثير التعجيل على الأجسام المتحركة وهو ما يعرف»مبدأ التكافؤ«الذي بموجبه تحول المبدأ العام للنسبية من فرضية في نظرية المعرفة إلى قانون من قوانين العلوم الأساسية.

إلا أن نشر النظرية النسبية»الخاصة والعامة«لم يحدث دويا يجعل من صاحبهما شخصا ملء السمع والبصر على الرغم من أن في ثناياهما الكثير جدا من التجديد. فالنظرية النسبية الخاصة نزعت الخصائص المطلقة للفضاء والزمن واعتبرت الزمن بعدا رابعا لمتصل»فضاء- زمن«. أما النظرية النسبية العامة فقد ألغت مفهوم»القوة«الذي تستند إليه نظرية الجاذبية لنيوتن ووضعت مفهوما جديدا للجاذبية أساسه تغير في خصائص المتصل الرباعي الأبعاد»فضاء- زمن«بسبب وجود الكتلات المادية.

تنبأت هذه النظرية التي تمثل»أروع مزيج بين الحدس الفيزيائي والحذق الرياضي والعمق الفلسفي«كما يصفها العالم»ماكس بورن«بانحناء شعاع الضوء عند مروره في مجال جاذبي ناتج عن وجود كتلات كبيرة مثل كتلة الشمس، وتنبأت كذلك بمقدار هذا الانحناء. كما فسرت مسار الكوكب عطارد الأقرب إلى الشمس بعد أن أخفقت قوانين نيوتن في ذلك، وتنبأت أيضا بالإزاحة الحمراء، أي ازدياد الطول الموجي لشعاع الضوء عند هروبه من المجال الجاذبي.

المفاهيم الجديدة والمتميزة التي جاءت بها النظرية النسبية العامة والتي تستند إلى هيكل رياضي متين وتقود إلى تنبؤات مثيرة ليس على مستوى أحداث وظواهر مألوفة وإنما على مستوى كوني واسع حفزت الجمعية الملكية البريطانية وهي تشهد مفخرة المؤسسة العلمية البريطانية، نيوتن وقوانينه، تتعرض للاهتزاز على إرسال بعثة علمية إلى الساحل الغربي الأفريقي لرصد كسوف الشمس الكلي يوم 29 مارس عام 1919 وقياس مقدار الانحناء في مسار الشعاع الضوئي القادم من أحد النجوم البعيدة والذي يمر قربها وذلك لاختبار مدى صحة ما تتنبأ به النظرية النسبية العامة، كان الفيزيائي والفلكي البريطاني البارز»آرثر إدنغتون" رئيسا لهذه البعثة.

وعندما أجرى إدنغتون قياساته في تلك اللحظات الحرجة وجد لدهشته أن الإزاحة المرصودة تساوي (1.75) درجة في حين أن الإزاحة التي تتنبأ بها النظرية النسبية تبلغ 1.72 درجة، أبرق فورا بهذه النتائج المثيرة إلى الجمعية الملكية مسجلا بذلك بداية حقبة جديدة من التأريخ الإنساني.

وهكذا اكتشفت بعثة إدينغتون حقيقة هامة تتعلق بالنظرية النسبية العامة وهي صحة وأصالة الفرضيات التي تستند إليها ودقة التنبؤات التي تنبثق عن الرياضيات التي استخدمت في بنائها، وعندها انتقلت القناعة بصحة النتائج المرصودة تجريبيا إلى القناعة بصحة النظرية نفسها. ولم يمض وقت طويل حتى أصبح اسم آينشتاين على كل لسان إذ إن وسائل الإعلام قد غطت هذا الحدث بصورة لم يسبق لها مثيل.

عند ذلك عرف العالم أنه على عتبة رؤية جديدة للكون فيها الكثير من التجديد بل ترقى إلى درجة الإلغاء الكامل لما سبق تبنيه من مفاهيم ونظريات تتعلق بالسكون والحركة وبدأ التساؤل عن فحوى الرسالة الجديدة التي تحملها النظرية الجديدة وأثرها على فكر الإنسان ودورها في رسم فلسفة جديدة وثقافة جديدة.

وبقدر ما أوقدت النظرية النسبية العامة من جذوات في العلم والفكر وأشاعت مشاعر البهجة والفرح الذي يصاحب الإنجازات العلمية الكبيرة، خلقت كذلك قدرا من المرارة إذ آذنت بأفول النظريات السابقة التي سادت وحكمت العقل الإنساني على مدى أجيال عديدة، فمع فيزياء آينشتاين أفلت فيزياء نيوتن. وهذا مثل على أن تأريخ التطور العلمي هو تأريخ دحض نظريات قائمة بأخرى جديدة أكثر قدرة على مقاربة الواقع الموضوعي وتفسيره.