يقول المثل الغربي «أن تأتي متأخرا أفضل من ألا تأتي أبدا» ولكن بالتأكيد هذا المثل لا ينطبق مطلقا على الاعترافات الأخيرة لرئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير بشأن أخطاء الحلفاء الغربيين في غزوهم للعراق عام 2003 وما تلا ذلك من كوارث ليس في العراق فقط ولكن في ربوع أمتنا العربية عموما.
اعترافات بلير واعتذاراته الجزئية جاءت متأخرة ولكنها ليست من ذلك النوع الذي يحمل نوع الفضيلة حتى نرحب به أو ننعته بقول «الرجوع للحق فضيلة» بل العكس تماما فقد جاءت هذه الاعترافات مليئة بالأكاذيب والمغالطات الجديدة عن العدوان الأمريكي/ الغربي على العراق بدون أي مبرر ولايزال الملايين وربما المليارات من البشر الذين عايشوا تفاصيل هذه الحرب بمقدماتها الكاذبة ونهاياتها المأسوية على قيد الحياة ويدركون بوعي تام ما حدث فيها.
فلا يستطيع عاقل أن يتحدث عن حسابات خاطئة أو معلومات استخباراتية مضللة ويعتبرها سببا كافيا لغزو دولة وتحطيم أمة وتدمير شعب وفي مقال نشر في هذا المكان قبل نحو ثلاثة أسابيع بعنوان «الخطأ عندما يكون مدمرا» كان الحديث - قبل اعترافات واعتذارات بلير بأيام - عن الجرائم الكبرى وليس الأخطاء العارضة التي ارتكبها الحلفاء في غزوهم للعراق بنية مبيتة وإصرار على تدمير هذا البلد ونظامه رغم أنها المرة الوحيدة التي فرضت فيها عليه الحرب دون أن يسعى إليها.
كانت أكاذيب الحلفاء بشأن امتلاك صدام حسين أسلحة دمار شامل قد تم فضحها وتفنيدها بالكامل في عام 2002 وقبل وقت كاف من انطلاق الغزو وانتشرت في مدن العالم والغربية منها على وجه الخصوص مظاهرات ومسيرات مليونية عارمة ترفض الحرب المقبلة على العراق لعدم وجود ما يبررها .
فقد فتح صدام حسين أبواب دولته على مصراعيها أمام مفتشي العالم حتى القصور الرئاسية والمواقع العسكرية بحثا عن أسلحة الدمار الشامل والصواريخ العابرة فلم يعثروا على شيء وكانت شهادة كبير مفتشي الأسلحة الدوليين السويدي هانز بليكس قاطعة في تلك الأيام بأن العراق لا يمتلك أسلحة دمار شامل.
وعندما قدمت واشنطن مجددا خطابا موقعا وموثقا من جانبها إلى مجلس الأمن يتهم العراق بشراء كميات من خام اليورانيوم من دولة النيجر لتصنيع أسلحة نووية جاء الرد أيضا حاسما ولكن هذه المرة من محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية آنذاك والذي أعلن للعالم في جلسة مفتوحة لمجلس الأمن الدولي أن هذا الخطاب «مزور أو مفبرك» وأنه لا أساس له من الصحة وهكذا سقطت كل الحجج الأميركية في وقتها وثبت كذب أسانيد واشنطن وحلفائها لغزو العراق بشهادات رسمية من المنظمات الدولية.
ورفضت الأمم المتحدة أعطاء مظلة رسمية للغزو وأحجم مجلس الأمن عن تفويض أي جهة للقيام بهذا العدوان إلا أن الرئيس الأميركي وقتها جورج بوش الابن ومعه حلفاؤه الغربيون أصروا على مخططاتهم الجهنمية ولا تغيب عن الذاكرة مطلقا جلسة مجلسة الأمن الشهيرة التي تحول خلالها كولين باول وجاك سترو وآنا بالاثيو وزراء خارجية أميركا وبريطانيا وأسبانيا إلى ما يشبه شياطين الإنس وظهروا في هيئة مصاصي دماء البشر الراغبين في التهام دولة بأكملها.
وكانت ذرائع الربيع العربي وحروب الجيل الرابع واختراع داعش لخدمة المخططات الغربية وبدلا من أن تردع الجرائم السابقة والحقائق الواضحة وضوح الشمس تلك القوى عن المضي في مخططاتها الشيطانية إلا أنها تستمرئ اللعبة .
ولا تعبأ بمآسي البشر فتستمر في غيها مهما كان الثمن حتى ولو تعارض ذلك مع أصوات معارضة في داخل بلادهم لا تنطلي عليهم الأكاذيب وليس أدل على ذلك من تأكيد صحيفة «التلجراف» البريطانية أن عائلات الجنود البريطانيين الذين قتلوا فى حرب العراق هاجموا بلير لرفضه تقديم اعتذار كامل على مشاركة البلاد في الحرب على العراق.
كما حذروا من أن التقرير المزمع أن يقدمه السيرجون شيلكوت حول حرب العراق سيكون بمثابة تغطية وتستر ونقلت الصحيفة عن ريج كييز الذي قتل نجله المجند توم في العراق عام 2003 قوله إنه شعر باشمئزاز عندما سمع تصريحات بلير وقال «هذا الرجل بالتأكيد سلك الطريق الخطأ، فقد قتل 179 بريطانياً وأصيب 3500 آخرون.
ناهيك عن مئات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال العراقيين الأبرياء الذين فقدوا أرواحهم أشعر بأنه يستبق بشكل واضح نتائج تحقيق حول حرب العراق، فهو يلوم رؤساء أجهزة الاستخبارات لإعطائه معلومات استخبارية خطأ، ماذا عن الاعتذار عن خسارة الأرواح بدون داع؟ السبب الذي ذهبنا إلى الحرب من أجله كان أسلحة الدمار الشامل وليس الإطاحة بصدام».
هذه مشاعر رجل بريطاني منكوب في ولده فكيف تكون أحوالنا نحن العرب الذين دمرت بلادهم وقتلت شعوبهم وخسروا مواردهم الحاضرة والمستقبلية من يعوض العرب عن جرائم الحلفاء الغربيين ومن يحاكم مجرمي الحرب بلير وبوش وباول ورامسفيلد وسترو وبالاثيو وجنرالات الجيش الأميركي عن كوارثهم الإنسانية في دول المنطقة وعلى رأسها العراق؟