يزعم الصهاينة الاسرائيليون أن «الفلسطينيين يديرون ضدهم بشكل ناعم وهادئ حرباً، محورها إنكار التاريخ اليهودي، واستبداله بتاريخ فلسطيني مسلم أكثر قدماً ورسوخاً» نفهم هذا من مقال نشرته صحيفة «إسرائيل اليوم» في الثالث من نوفمبر الجاري.

الحق أن حرب الروايات الموصولة بتاريخ فلسطين، ليست جديدة ولاتتسم بالهدوء وهي قديمة نسبياً وصاخبة؛ يسمع طحنها وضجيجها في عموم فلسطين ومحيطها العربي والإسلامي ومختلف العواصم الفاعلة دولياً. والذين دشنوا هذه الحرب وأوقدوا نارها هم الصهاينة، اليهود منهم وغير اليهود؛ منذ أن أفصحوا عن مشروعهم الاستعماري الاستيطاني لهذا البلد.

في هذا السياق، لم ينكر الفلسطينيون وجود يهود عرب أقحاح في تضاعيف اجتماعهم الإنساني والسياسي، لقد شقت حناجرهم وهم ينادون باستقلال بلادهم بمسلميها ومسيحييها ويهودها الأصليين. والذي أنكروه واستنكروه وكافحوا ضده منذ مئة عام وزيادة، هو ابتداع هؤلاء اليهود مشروعاً لأنفسهم؛ يستولون به على فلسطين بقضها وقضيضها إن أمكن، فضلاً عن نفي وجود غير اليهود فيها من الأساس. مشروع يسلخ اليهود من مجتمعاتهم، ويستجلبهم إلى فلسطين ويقحمهم في صراع ضروس، يدمي حياتهم وحياة الفلسطينيين على حد سواء.

ما أنكره الفلسطينيون ومازالوا ينكرونه ويستنكرونه في روايتهم، توجه الحركة الصهيونية إلى سوق يهود فلسطين، قبل مئة عام ومنذ كانت نسبتهم 5% فقط من السكان إلى الطمع في السيطرة بالقوة، المدعومة غربياً، على البلاد برمتها.. وأنه حين تحقق لهذه الحركة بعض مراداتها الخبيثة، راحت تعيث في فلسطين وهويتها العمرانية القارة هدماً وفساداً، وأنها مزقت الـ 95% من مسلميها ومسيحييها شذراً مذراً، فأحالتهم إلى لاجئين مشردين، وإلى خاضعين للاحتلال ومطاردين ومحاصرين وأسرى وجرحى وشهداء، وفي أحسن الأحوال مواطنين من الدرجتين الثالثة والرابعة.

ما تستنكره الرواية الفلسطينية المؤلمة وتستقبحه، ذلك التحالف بين الصهاينة وبين قوى البغي العالمية؛ الذي استصدر قرارات أممية انتهكت مع سبق الإصرار حرمة المنطق والقوانين السماوية والوضعية ومنها قرار التقسيم رقم 181 الذي خصص لليهود دولة تستقطع 54% من فلسطين، وقت أن كانت ملكيتهم فيها 6% لا أكثر.

قبل هذا وبعده، تنكر الرواية الفلسطينية الزعم الصهيوني بحقوق تاريخية لليهود فيما يسمى بمملكتي يهوذا والسامرة في فلسطين قبل ألفي عام. فهذا الادعاء يخالف الرشد العقلي. فالمملكتان إياهما كانتا أصلاً طارئتين على البلاد وسكانها الأصليين، ثم أنهما كانتا أقرب إلى حارتين صغيرتين قياساً بالممالك المزامنة، الفرعونية والآشورية والبابلية. كانتا صغيرتين ومَهينتين وعابرتين إلى درك سمح للبابليين بـ «أسر» سكانهما بالكامل وشحنهم إلى مكان آخر.

لا يلحظ المؤرخون الصهاينة مثل هذا الصغار، ومع ذلك يتحدثون عن «ملك الأجداد الكبير بين النيل والفرات» البائد؛ الذي عاد الأحفاد لإحيائه، رغم أن بحوثهم وحفرياتهم فوق الأرض وتحتها، لم تعثر له على أثر يستحق الذكر. ومن مؤشرات التحريف الصهيوني للتاريخ والتنطع عليه، أن الشريط الساحلي الفلسطيني بكليته، من رأس الناقورة إلى رفح، لم يدخل بالمطلق في الحيز الجغرافي للمملكتين اليهوديتين الدارستين، فلماذا استهل الصهاينة مشروعهم الاستيطاني بالاستيلاء عليه ؟!. هذا بالطبع أن ألغينا عقلنا وصدقنا جدلاً روايتهم.

عندما سُئل بن جوريون، أول رئيس وزراء لإسرائيل،عن دواعي مطالبته بحق له في فلسطين وهو البولندي المولد، قال بأن «التوراة هي المصدر التاريخي لهذا الحق» يستسخف الفلسطينيون هذا المنطق؛ الذي يجعل التوراة سجلاً عقارياً. لكن المدهش حقاً، أن التوراة تعترف بأن الكنعانيين كانوا في فلسطين، قبل ظهور اليهود وقبل أن يصلها سيدنا إبراهيم ( عليه السلام )؛ الذي لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً.