ما هو العالم الآن؟ يمكن الإجابة عن هذا السؤال على أنحاء مختلفة. قد يجيب أحدهم أن العالم اليوم هو عالم العولمة، التي جعلت العالم قرية كونية بفضل الثورة التكنوـ إلكترونية، ولقد تحدث الكثير عن العولمة بوصفها مرحلة جديدة من مراحل الرأسمالية.
وقائل يقول: العالم اليوم هو عالم صدام الحضارات، على غرار ما قاله هنتنجتون في كتاب يحمل هذا المصطلح، وقد يدلل على ذلك بما نشهده من صراعات في يومنا هذا.
ولا نعدم من يتحدث عن أن العالم اليوم هو عالمان: عالم ما بعد التاريخ كعالم أوروبا وأميركا وما شابهها من دول ديمقراطية، والعالم الغارق في وحل التاريخ، الذي يعيش صراعات إثنية وطبقية ودينية، وكتاب فوكوياما «نهاية التاريخ» هو مصدر هذه الفكرة.
والحق أن كل هذه الإجابات صحيحة من حيث المبدأ، لكن هناك ظاهرة تميز العالم الراهن هي العالم اليوم هو مراكز وهوامش، أو قل دول مراكز ودول تسعى لأن تكون مراكز ودول مازالت في مرحلة الهامشية. الدولة المركز هي الدولة التي تتمتع بقوة اقتصاديةـ إنتاجية، وبقوة عسكرية وسياسية وثقافية...
وتقوم بدور خارج حدودها صغر أم كبر هذا الدور، واقتصادياً كان أم سياسيا، والدول المراكز بدورها نوعان نوع مركزي عالمي، ونوع مركزي إقليمي، فأميركا ودول أوروبا والصين واليابان، وروسيا وهي دول عالمية التأثير سياسياً واقتصادياً وعسكرياً وعلمياً..
وهناك مراكز إقليمية ذات تأثير في الإقليم المجاور وقد تلقي بظلها على بعض دول العالم، كالهند والباكستان وإيران وتركيا ومجلس التعاون الخليجي بزعامة المملكة العربية السعودية..
وما شابه ذلك. أما الدول الهامشية فهي الدول التي تكون موضوعاً فقط وليست ذات تأثير مباشر على حركة العالم لكن بعضها قادرة على إشغال العالم بما يصدر عنها من حركات إرهابية، كالعراق وسوريا وليبريا واليمن وأفغانستان وقس على ذلك.
والحقيقة أن كل ما أشرت إليه فمن أجل أن أتوقف عند واقعنا العربي الراهن لأطبق عليه فكرتي هذه بوصفها فكرة منهجية.
يشكل العرب اليوم إحدى أهم مناطق الصراع الداخلي والعالمي، وأحد أهم المناطق التي تتعرض لتدخل الدول المراكز عالمياً، وبعض دول المراكز إقليمياً، فالولايات المتحدة وروسيا وأوربا حاضرة الآن في العراق وسوريا وليبيا ومصر، كما أننا نشهد حضور إيران في العراق وسوريا واليمن، وحضور تركيا في العراق وسوريا وفلسطين. وبالمقابل نجد حضور مجلس التعاون الخليجي بوصفه ذا مسؤولية عربية، وليس على غرار الحضورين السابقين للمراكز العالمية والإقليمية في أوطاننا.
إن السؤال الآن: كيف يمكن للعرب أن يتحولوا إلى مركز إقليمي فاعل وذي أثر عالمي؟ فليس من المعقول والحكمة والكرامة الوطنية أن تكون دولة مثل إيران قادرة على التدخل في شؤون العرب، وتسهم في إفساد الحياة السياسية والمعشرية في سوريا والعراق واليمن ولبنان، فالخطر الإيراني قائم في سياسة إيران الهادفة إلى تحطيم الدول عبر قوى مسلحة تابعة لها..
وبالتالي تحطيم احتكار الدولة للقوة. ففي العراق هناك عدد من الميليشيات الشيعة التي أتت على الدولة، ميليشيات مدعومة عسكرياً ومادياً، بل إن الحاكم الفعلي في العراق منذ الاحتلال حتى زوال المالكي هو المسؤول الإيراني، وحزب الله دولة داخل الدولة في لبنان بفضل التبني المالي والعسكري لحزب الله..
وحدث ولا حرج عن الحوثيين، الذين شكلوا قوة عسكرية لتقضي على الدولة اليمنية بفضل إيران. وما فعلته إيران بإيقاف التطور الطبيعي للحراك السوري ودخوله عنصراً مقاتلاً إلى جانب النظام قد أدى لأعظم كارثة شهدتها البشرية بعد الحرب العالمية الثانية.
لا يجوز تاريخياً وعربياً ومن مصلحة وطنية أن يتقرر مصير عالمنا العربي، وبخاصة في العراق والشام واليمن وفلسطين وليبيا في عواصم الدول المركزية عالمياً والمركزية إقليمياً، يجب أن يكون هناك مركز عربي فاعل وتوسيع مركز مجلس التعاون الخليجي، بحيث يكون مركزاً اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً فاعلاً ومستقلاً في خياراته السياسية، وقادراً على إنجاز علاقات مع المراكز العالمية وفق المصالح الوطنية.
لا شك في أن معافاة مصر سياسياً واقتصادياً ودخولها عنصراً فاعلاً في المركز المنشود على جانب كبير من الأهمية. ذلك أن مصر في حال معافاتها تشكل مركزاً إقليمياً وقد كانت حتى السبعينيات كذلك.
والحق أن مصير الهوامش في العالم مصير قاس جداً، فعالمنا مازال عالماً داروينياً يأكل القوي فيه الضعيف.