بكل شموخ وعز، وبصحائف سجلت فيها بمداد الذهب قصص البطولة والرجولة والشهامة، تعود إلى البلاد الدفعة الأولى من قواتنا المسلحة الباسلة، بعد استكمال مهمتها في اليمن الشقيق، وتسليم الأمانة إلى الدفعة الثانية.

فهذه الكوكبة من رجالنا صنعت التاريخ في اليمن بدءاً من تحرير عدن وحتى تحرير مأرب، وهم اليوم بعودتهم المظفرة إلى البلاد، فإنهم يعودون مكللين بأكاليل الغار منتصرين مؤزرين، بعد أن دافعوا عن دين الله، وعن وطنهم العزيز، وعن شقيقهم المستجير، ملبين نداء القيادة والوطن في أشرف ميادين الرجولة والتضحية والعطاء.

والواقع أن تجربة جندنا الباسل في اليمن تجربة تستحق أن تسجل، وأن توثق لكي نتعلم منها الكثير من الدروس الملهمة ليس لجيل اليوم فحسب، بل لأجيال المستقبل ولأبناء الأمة جمعاء، فحين نجد أن أبناء سمو الشيوخ كانوا في مقدمة الصفوف..

وفي الميدان فإنما نجدد بذلك سير المجد لبطولات العرب والمسلمين، التي كان القادة فيها وأبناؤهم في مقدمة الصفوف، وتجديداً لليوم الذي كان فيه صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان، حفظه الله، في مقدمة المتطوعين للجبهة المصرية عام 1973، واليوم الذي كان فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، نصره الله في مقدمة القوات الإماراتية المشاركة في تحرير الكويت عام 1990.

واليوم نجد أسود الإمارات، سمو الشيخ ذياب بن محمد بن زايد، وسمو الشيخ محمد بن سعود بن صقر، وسمو الشيخ منصور بن محمد بن راشد، في مقدمة مقاتلي الإمارات، أسوداً بين أسود، لا يميزون أنفسهم عن رفاق السلاح في شيء، ولا في واجب سواء في الحراسة أو التناوب أو القيام بالمهمات العسكرية، فها هو الشيخ ذياب يتناوب على الحراسة مع زملائه، وها هو الشيخ منصور يقوم بنفسه بدور قوة ميدانية للحرب المعنوية، فلله دُرهم.

ولا بد لنا هنا من إدراك حقيقة مهمة، فقد أثبتت أحداث اليمن الجاهزية القتالية العالية لقواتنا المسلحة والكفاءة العسكرية الرفيعة، التي يتحلى بها جنودنا الأشاوس، كما أنها مثلت تدريباً ميدانياً عملياً للقوات، يرسخ العقيدة القتالية للقوات المسلحة ودورها الوطني الجليل في حماية حدود الوطن ومصالحه الاستراتيجية والدفاع عن منجزاته التنموية في مختلف الإمارات.

ومن كان يعتقد أن الحياة المترفة غيرتنا وجعلتنا أقل شراسة في الدفاع عن وطننا ومصالحه، أو أننا سنستأجر «كولومبيين» ليدافعوا عنا، ها هي أحداث اليمن والدور المشهود لقواتنا فيها ترد عليه وعلى أكاذيبه وادعاءاته.

ومن التجارب التي تستحق الوقوف عندها أن الدولة وعبر قواتها ومؤسساتها لم تنتظر انتهاء الحرب لتقوم بالعمران، فبمجرد تحرير عدن، بدأت على الفور ورشة الإعمار في مختلف أحياء المدينة، ومدارسها ومستشفياتها ومساجدها، كما بدأت في الوقت نفسه عمليات تدريب الشرطة المدنية والدفاع المدني لكي يصبح التحرير والأمن واقعاً معاشاً، ولكي يتمكن اليمنيون من استعادة الثقة بمستقبل وطنهم الشقيق، بعد أن عاثت فيه عصابات الحوثي عفاش خراباً وتدميراً.

كما أن مبادرة قيادة الدولة في هذا المجال، والدور الذي لعبته قواتنا المسلحة الباسلة في تنفيذها، إنما عبرت عن إدراك القيادة الرشيدة لأهمية البعد التنموي والإنساني في معركتنا ضد الشر، وفي حرب اليمن خصوصاً، نظراً لأن ترك المدن المحررة من دون عمران وتأمين كان سيفتح الباب أمام عدو آخر معروف عنه تحالفه المصلحي مع عصابات الحوثي عفاش ألا وهو عصابات الإرهاب المنظم.

والإخوة في اليمن هم أول من شهد لقواتنا سواء بالبسالة أو بالتميز. يقول أحد المغردين من المقاومة الشعبية في الجنوب، إنه وبعض زملائه شعروا بالحرج حين وجدوا أن الجنود الإماراتيين يواظبون على الصلاة وقراءة القرآن الكريم حتى أثناء المعارك..

بينما يقول أحد الكتاب في مقالة نشرت الأسبوع الماضي إنه سعيد لكون القوات اليمنية الجديدة تتلقى التدريب على يد القوات الإماراتية، لأن المضمون الحضاري للتدريب وخصوصاً العلاقة مع الوطن والعلاقة مع المدنيين مختلف ويتسم بالتحضر.

هذه نماذج بسيطة مما يقوله أشقاؤنا اليمنيون عن سلوكات وتصرفات جيشنا وهي نماذج ترفع الرأس عالياً فخراً واعتزازاً بجيشنا الذي طالما رفع الرأس، بأفعاله وأمجاده وإنجازاته جنده البواسل.

ومع عودة الدفعة الأولى من قواتنا وبدء عمليات الدفعة الثانية لاستكمال مهمات عاصفة الحزم في اليمن الشقيق نسأل المولى، عز وجل، أن يكلل بالنصر جهودهم، وأن يكون لهم خير سند وعون، إنه سميع مجيب.

وهي فرصة نجدد فيها كوننا إماراتيين التحامنا مع جيشنا وقيادتنا حول أهدافنا الوطنية السامية، فالشهور الماضية أظهرت المعدن الأصيل لشعب الإمارات، هذا الشعب الذي التف حول الجيش والقيادة، ووقف وقفة رجل واحد خلف القرار السياسي، بالمشاركة في عاصفة الحزم تماماً، كما وقف وقفة رجل واحد في وداع شهدائنا الأبرار ومواساة أسرهم.

واليوم نقف الوقفة نفسها في الترحيب بقواتنا، التي عادت، وفي مؤازرة قواتنا التي ذهبت للقتال فالرب واحد، وهذا الوطن واحد، والبيت متوحد، بإذن الله.