مجلس النواب العراقي يعود لتقييد رئيس الوزراء العبادي، ويلزمه باستشارته قبل اتخاذ أي إجراءات إصلاحية، فقد صوت المجلس «بالإجماع» في الثاني من الشهر الجاري، على سحب التفويض الذي منح للعبادي قبل ثلاثة شهور، بشأن القيام بتنفيذ الإصلاحات.

قرار المجلس «الإجماعي» هذا لم يكن مفاجئاً لمن يتابع المشهد السياسي العراقي، فقد أصبح العبادي في موقف لا يحسد عليه، فعلى المستوى البرلماني، بدأ يتعرض لتجاذبات من معظم الكتل السياسية بدرجات متفاوتة، من منظور أن الإجراءات التي يتخذها غير دستورية، وأنه ينفرد في صناعة القرارات، وهناك رفض وعدم قناعة بالإجراءات الإصلاحية التي اتخذها لم يقتصر على أطراف من التحالف الوطني الذي ينتمي إليه، بل تجاوز ذلك إلى اتحاد القوى العراقية، الذي اتخذ موقفاً لافتاً باصطفافه مع كتلة دولة القانون للنيل من العبادي، على الرغم من أن المنطلقات لذلك مختلفة.

أما على المستوى الشعبي، فهناك أجواء إحباط تتكاثف مع استمرار التظاهرات، دون أن تلقى مطالب المتظاهرين بالإصلاح آذاناً مصغية. وقد عبر المواطن العراقي عن إحباطه من أداء العبادي بأسلوب إيجابي سلمي من خلال التظاهر أسبوعياً في أيام الجمعة، منذ أكثر من عشرة أسابيع، لتكرار مطالبته بالإصلاح، حرص العبادي خلالها على ضمان أمن هذه التظاهرات، إلا أنه لم يحرص على الأخذ بمطالبها على محمل الجد.

العبادي أتى لموقع المسؤولية في العراق، على أنه شخصية توافقية قادرة على معالجة الانقسامات بين مكونات المجتمع العراقي، بعد أن تفاقمت بشكل خطير خلال حكم سلفه. حمل معه أجندة إصلاح، ووعوداً كثيرة دون وجود رؤية واضحة.

إلا أن الإصلاحات التي قام بها العبادي، لم تقارب المشكلات الحقيقية التي يعاني منها العراق، فالإصلاحات الحقيقية تتطلب تشخيصاً جريئاً لأسباب تردي الأوضاع، خاصة الأمنية منها. تتطلب رفضاً للضغوط الخارجية الشديدة التي يتعرض لها، والتي تعيقه من اتخاذ خطوات شجاعة في مواجهة الواقع المتردي، وليس تهدئة الشارع الغاضب.

العبادي لا يواجه مشكلات، قدر ما يواجه معضلات، فإضافة إلى العزلة السياسية التي يعيشها داخل حزبه، ورث خزينة خاوية، واقتصاداً متداعياً، وتسبب الانخفاض بأسعار النفط، إلى حصول عجز كبير في الميزانية، في الوقت تتطلب مواجهة تنظيم داعش، استحقاقات مالية كبيرة، ويواجه قطاع الخدمات المنهار، ويرزح تحت الضغوط الكبيرة التي تمارس عليه لفك الارتباط مع الولايات المتحدة، واستدعاء القوات الروسية لمواجهة تنظيم داعش.

أضاع العبادي فرصة تأريخية على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، فالدعم الذي لقيه لم يتوافر لغيره، إلا أن حزمة الإصلاحات التي وعد بها قد اقتصرت على إقالة هذا أو إحالة ذاك على التقاعد.

الإصلاحات الحقيقية تتطلب وضع رؤية للنهوض باقتصاد البلد ومعالجة المشاكل التي يعاني منها القطاعان الصناعي والزراعي المتداعيان، جنباً إلى جنب معالجة مشكلة البطالة، وخلق ظروف ملائمة لجذب الاستثمار الخارجي. صحيح أن بعض الإجراءات التقشفية التي اتخذها العبادي تصب في هذا المجال، إلا أنه لم يكن موفقاً في بعضها الآخر، ومنها قانون الرواتب الجديد، الذي تم فيه تخفيض رواتب قطاعات مهمة من الشعب، ما تسببت باستياء شديد وتظاهرات رافضة، خاصة أن مفهوم الإصلاح لدى المواطن العراقي، الذي يعاني من تردي الأوضاع في جميع المجالات، يعني الذهاب إلى حياة أفضل.

محاربة الفساد هو المدخل للنهوض باقتصاد البلد، والمدخل لتحقيق الأمن فيه، الأداة في ذلك، هو القضاء النزيه غير المسيس. ولكن ما تم في هذا الصدد، لا يكاد يذكر، فعلى مدى السنوات الاثنتي عشرة التي مرت منذ سقوط النظام السابق، دخلت الخزينة العراقية ما يقرب من تريليون دولار، وليس من الصعب متابعة مسارات الصفقات المالية التي أهدر بها المال العام، وتشخيص المسؤولين عن ذلك لاتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم، واستحصال الأموال المهدورة والمسروقة.

مستقبل حكومة العبادي على بساط البحث، وهناك مواجهة وشيكة الحدوث، قرار المجلس النيابي بتقييد صلاحياته قد يكون جزءاً من سيناريو الإطاحة به، وليس من المستبعد أن تكون الخطوة القادمة، سحب الثقة من حكومته وإلزامه بالاستقالة، فهناك من يخطط للإطاحة بها بشكل صريح.

ومع التحفظ على المنجز المتواضع الذي حققه العبادي، قد يكون من الإنصاف، أن يمنح فرصة أطول، فهو لا يتحمل لوحده وزر تعثر الإصلاحات. الخيارات التي أمامه محدودة، فإما الاستقالة أو اللجوء إلى إقالة البرلمان، بعد استحصال موافقة رئيس الجمهورية، والدعوة لانتخابات جديدة وفق المادة 64 من الدستور، إلا أن هناك عقبة أمام ذلك، فقد نصت هذه المادة، على أنه لا يجوز حل المجلس خلال فترة استجواب رئيس مجلس الوزراء، المطلوب فعلاً للاستجواب أمام المجلس.