في أغسطس 1929 وبمناسبة إحياء طقس ديني يهودي، طمع الصهاينة في استحداث أمر واقع يشرعنون به رؤيتهم لماضي المسجد الأقصى ومستقبله. وقتذاك، اختاروا أن تكون البداية بتوكيد مكتسبات يهودية بجوار حائط البراق؛ الذي يدعونه بحائط المبكى.
وفي هذا الإطار، وضعوا طاولات وكراسي ونصبوا خياماً أضاؤوها بالمصابيح ورفعوا عليها علمهم وشاراتهم، وأوقدوا شموعا، ونفخوا في بوقهم وراحوا يرددون صلوات وأناشيد بأصوات جهيرة.
كانت تلك التصرفات والشعائر غير المعهودة في المكان؛ المنتهكة لأعراف وسنن التعامل الإسلامي مع الوجود اليهودي في رحاب أولى القبلتين، مدعاة لاستفزاز المسلمين داخل فلسطين وخارجها، ولا سيما في القدس وضواحيها.. الأمر الذي أفضى إلى اشتعال غضبة شعبية، صاحبتها اشتباكات دامية مع الصهاينة المنتشين بالحماية الاستعمارية البريطانية. عرفت تلك الأحداث بهبة البراق؛ التي انتهت بتعيين لجنة تحقيق دولية رعتها عصبة الأمم؛ أكدت في تقريرها حرفيا أن«الحائط الغربي (البراق) تعود ملكيته للمسلمين وحدهم، ولهم وحدهم الحق العيني فيه، لكونه جزءا لا يتجزأ من ساحة الحرم الشريف، وهي من أملاك الوقف الإسلامي..». ولمن لا يعلم، لم تضم اللجنة عربيا أو مسلما واحدا.
قبل زهاء تسعين عاما، أدى استجلاب الصهاينة لبعض الأثاث والأدوات البسيطة، ومنها ستارة وبعض الحصر وطشت للغسيل، إلى ثورة إسلامية عارمة. نستذكر هذه الواقعة اليوم، كي نتأمل في انقلاب الأحوال رأسا على عقب، حتى صار الفلسطينيون لا يستطيعون إقامة صلواتهم وشعائرهم في الأقصى برمته، إلا بتصاريح خاصة لا تصدرها سلطات الاحتلال الصهيونية إلا بشق الأنفس وبالقطارة وتحت خيارات متعددة الأشكال.
فمرة تحظر عليهم الزيارة والصلاة بحسب السن، فيسمح بذلك فقط في أيام الجمعة لمن تجاوزوا الأربعين وأحيانا يعلو سقف المنع ليطال كل من هم دون الخمسين. ومرة يتعلق الحظر بكل المقيمين خارج القدس الشرقية. ومرة يجري الحرمان علي بعض المقدسيين أنفسهم لفترات معينة. ومرة تشترط إسرائيل ألا يتجاوز المصلون جميعهم عددا محددا. وهي الآن بصدد التطبيق الحرفي لفكرة اقتطاع أوقات لا يسمح فيها لغير اليهود بالوجود في الحرم القدسي.
وفي بدعة ما سمعنا بها من قبل، أصبح من المعتاد صدور كشف أسبوعي، بأسماء «الذين توافق إسرائيل علي انتقالهم من قطاع غزة لأداء صلاة الجمعة في المسجد الأقصى». الكشف يتضمن اسم المصلي وعنوانه ورقمي بطاقته الشخصية وهاتفه، ولا يزيد عدد المدرجين فيه أسبوعيا على المئتين من الرجال والسيدات.
أثناء الأوضاع الطبيعية لا يقل عدد المصلين بالأقصى في أيام الجمعة عن خمسة وثلاثين ألفاً. لكن مصنفات الحظر والإجراءات الإسرائيلية الأفعوانية المانعة، هبطت بهذا الرقم في أحيان كثيرة أخيرا إلى ثمانية آلاف لا غير.
من نكد الدنيا ومفارقات التاريخ، أفول الزمن الذي كان الصهاينة اليهود يرجون فيه مجرد وضع طاولة تحمل بعض كتب الأدعية، على الرصيف المقابل لحائط البراق. ومجيء زمن آخر أغبر، عشنا حتى رأيناه، يحول فيه هؤلاء بين المسلمين وبين حرية الصلاة في الأقصى، بل ويمنعونهم من الوصول إليه من الأساس. زمن يزور الفلسطينيون فيه أقصاهم للصلاة والتهجد، وهم يدركون أنهم قد يغادرونه أسرى أو جرحى أو شهداء. وبعد ذلك يتشدق الصهاينة الإسرائيليون بالحديث عن مراعاتهم للحقوق الدينية وحرية العبادة. إنها الوقاحة، قرينة الحماقة التي أعيت من يداويها.