كتب المؤرخ الأميركي الشهير ثيودور وايت عن أوروبا الخارجة للتو من جحيم الحرب العالمية الثانية: «كان الناس يتضورون جوعاً، ومات بعضهم من المجاعة، ولجأ آخرون للسرقة، واضطر معظمهم لتخزين الطعام، وأصبح الجميع مخادعين»، ليس ذلك بمستغرب إثر حربٍ استمرت ست سنوات وحصدت أرواح أكثر من 61 مليون شخص ودمرت مدن أوروبا تحديداً بصورة مفجعة!
كان الوضع كارثياً وحلفاء الأمس أصبحوا فُرقاء اليوم بعد أن انتبهت الولايات المتحدة وحلفاءها في غرب أوروبا إلى السعي الحثيث للاتحاد السوفييتي لنشر أيديولوجياته الشيوعية ومبادئه الاشتراكية في المشهد الأوروبي مستغلاً حالات الفقر وارتفاع معدلات البطالة بين الشباب وانهيار الأسواق المحلية لدرجة أنه كان بـ24 علبة سجائر مارلبورو الأميركية تستطيع شراء سيارة مرسيدس ألمانية الصنع!
لذا سارعت الولايات المتحدة لتبني مقترح وزير خارجيتها جورج مارشال لرصد 12 مليار دولار لإنقاذ الاقتصاد الأوروبي، لكنها لم تكن هبات أو عطايا خيرية بل كانت مساعدات مشروطة بتعديلات هيكلية Structural Changes للبُنى الاقتصادية المحلية وبضرورة إيجاد مبادرات داخلية وتفصيل خطط عمل من الدول المتضررة ذاتها لضمان وجود التزام كافٍ بالمشروع..
ورغم أن نائب مدير «مشروع مارشال» هذا قد قال لاحقاً إن خطط الدول شابها «الكثير من الارتجال» إلا أن العجلة تحركت ونما الاقتصاد قرابة الربع خلال أربع سنوات، والسر كان أنّ المشروع رفض المـُسكِّنات وركّز على ضرورة إيجاد علاج ناجع للاقتصادات المنهارة، وشدّد على تحويل المساعدات للتنمية وليس لتدعيم الخدمات العامة كما أراد ساسة أوروبا.
لماذا نجح المشروع في أوروبا ولكن فشلت مئات المشاريع المشابهة لدول ما بعد الحرب في فيتنام وأفغانستان وليبيريا وتيمور والعراق وغيرها الكثير؟ إنّ الفرق الرئيسي يكمن في التباين الشاسع في الثقافات بين أوروبا والدول النامية، فالتنمية تحتاج لأُمّة قادرة على حمل أعباء التحوّل من الخراب للإعمار بكفاءة وصبر وعدم استعجال نتائج..
لذا من الضروري أن نهتم بـ«بناء أُمَم» في الدول النامية وهو ما لا يمكن لمساعدات الغرباء أن تصنعه، فبدون أمّة مهيأة ثقافياً ونفسياً واجتماعياً لن تستمر رحلة التنمية طويلاً قبل أن يعود البلد الممزق للتنفيس عن إحباطاته بقتل بعضه بعضاً في حروب أهلية عبثية!
كانت الثقافة السائدة عند شباب أوروبا قائمة على تمجيد العمل والتعلّم لذا لن تجد صورة لشباب وأطفال يتجولون في ضواحي شتوتغارت يحملون كلاشينكوف ويهتفون بالموت للأعداء كما نراهم حالياً في ضواحي صنعاء وفوق جبال اليمن ووهادها، وفور بدء مشروع مارشال سارعت دول أوروبا بإرسال أكثر من 24 ألفاً من قياداتها المؤسسية للولايات المتحدة في زيارات عمل ودراسة ونقل للمعرفة..
هنا نتذكر الحوثي عندما أرسل شباب اليمن المغرّر بهم لطهران للتدريب على قتل الأبرياء وتفجير المؤسسات وتذكية نار الطائفية، الطائفية التي كان يسميها أفريل هاريمان سفير برنامج الانتعاش الأوروبي «التالي لمشروع مارشال» بأنها «عفريت أوروبا الشرير» وأنه لا يمكن أن يحل الرخاء ما دامت أصوات دعاتها عالية تمزّق النسيج المجتمعي الأوروبي!
يقول أستاذ الاقتصاد بول كوليير في كتابه: «مليار نسمة تحت خط الفقر»: «لا تتوقعوا من حكومات البلاد التي تعيش تحت خط الفقر أن تعد جدول أعمال عملياً، إن تلك الحكومات ممزقة بين الأوغاد والأبطال، الأبطال لا ينتصرون لأن الأوغاد يمتلكون السلاح والمال»، لذا فاليمن تحتاج لوقفة إخوتها معها بعد دحر قوى الظلام بعون الله وتقليم أظافر سادة اقتصادات الحرب..
وكرأي شخصي متواضع فأنا ضد مطالبة البعض بتنمية في فترة قياسية، فما يقصدونه هو ضخ مبالغ كبيرة في أوصال اقتصاد لا زال بدائي الهيكلة والآليات لإحداث نمو شكلي سريع لا يلبث أن ينهار لانعدام أرضية جيدة لتنمية اقتصادية متعافية..
فدول غرب أوروبا احتاجت لأربع سنين مع مشروع مارشال حتى تتعافى وتعود اقتصاداتها للنمو بوتيرة ثابتة، أربع سنوات لمجتمعات متقدمة فما بالكم ببلدٍ أفقره عفّاش بفساده وإمعانه في نشر الجهل والتخلف؟ هنا لا بد أن لا نستعجل البرامج ولكن نُعجّل تسارعها فالاقتصاد «المحدَّث» لا يدخل مرحلة النمو الذاتي دون تنمية اقتصادية «طبيعية» و«مستقرة»!
لا زالت اليمن في مرحلة المجتمع التقليدي التي ذكرها الاقتصادي الشهير ويتمان روستو وهي أولى مراحل النمو الخمس لاقتصادات ما بعد الحرب، حيث يسود الطابع الزراعي ويكثر الإفظاع وتقل الإنتاجية ويتدني دخل الفرد، وفي بلد دمّر نفسه اقتصادياً تكون المشكلة معقدة..
فاليمن التي كانت تنتج أجود أنواع البن وأغلاها ومختلف أنواع الفاكهة رمت كل ذلك من أجل عيون نبتة الشيطان، نعم أيها السادة إنها القات المخدرة، التي تستهلك 40% من مياه ري البلاد لري 260 مليون شجرة قات وتزداد زراعتها بنسبة 12% سنوياً وتشير صحيفة «الثورة» اليمنية إلى أن 70 إلى 80% من النزاعات الدموية للقبائل في الريف مرتبطة بالمياه المهدرة على هذه النبتة..
وبسببها ستصبح صنعاء أول عاصمة تجف بها مياه الشرب تماماً والتي اقترح لحل مشكلتها زبانية عفّاش وتجار القات من مسؤولي الحكومة أن يُنقل سكانها للساحل، حيث أقرب مسافة له قُرابة 200 كيلو متر، فلا قيمة للبشر عند المجرمين، فالأهم هو القات الذي يُدِر عليهم 12 مليون دولار «يومياً»!
إن مبادرة الإمارات بالتنمية خلال الحرب والتي تمضي مساعداتها الإغاثية والتأهيلية لقطاعات التعليم والصحة والأمن والمنافذ البحرية التي كان كثير منها على أشلاء أبطالها ودماء شهدائها تحتاج لتناغم وتفاعل «حقيقي» .
وجاد من الحكومة اليمنية المقبلة لمشروع تنمية اقتصادية فعلي يتم توجيه أموال المساعدات لمفاصل الاقتصاد المحلي بعد إعادة هيكلته وتطوير آلياته وليس لجيوب لوردات الحرب والساسة الفاسدين، فقد سئمت الشعوب من الوعود وما لم يتحرك الاقتصاد في تنمية ديناميكية سليمة وتتوفر فرص عمل للشباب وإلا فإنّ معسكرات الشيطان المجنّدة للإرهاب ستُطرَد من الباب لتعود من الشُبّاك!