ليس في الإمكان أفضل مما كان,نعم التصويت نسبته كانت ضعيفة وإقبال الناخبين لم يكن على المستوى المعهود,بل إن أرقام المشاركين في الخارج كانت هزيلة,هذا ما كشفت عنه المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية التي كان من المفترض أن يشارك فيها سبعة وعشرون مليونا من المصريين وانتهت بمشاركة نحو سبعة ملايين فقط أي بنسبة سبعة وعشرين بالمائة من المسجلين.

أما أصوات المصريين في الخارج فقد تجاوزت بقليل الثلاثين ألفا,وهو رقم يقل بكثير جدا عن عدد الأصوات الباطلة في كثير من اللجان الانتخابية,وإذا عرفنا أن عدد المصريين المقيمين خارج البلاد يقدر بحوالي عشرة ملايين شخص فلنا أن نتصور بسهولة كم هي هزيلة تلك الأرقام, وبرغم تلك الحقائق المريرة إلا أن الحقيقة الأكثر مرارة منها جميعا هي موقف وردود فعل معظم وسائل الإعلام المصرية التي صورت ما حدث على أنه كارثة كبرى.

والمرارة الناجمة عن رد فعل الإعلام المصري ناجمة عن عدة أشياء على رأسها أنها تعاملت مع النتائج باعتبارها مفاجأة كبرى,رغم أن كل المقدمات والظروف المحيطة التي سبقت أيام التصويت كانت تؤكد بالفعل أن المشاركة الشعبية في الانتخابات لن تكون كبيرة,وتؤكد أيضا أن ما حدث هو النتيجة الطبيعية وعكس ذلك كان سيمثل المفاجأة الكبرى التي تستوجب تعاملا مختلفا مع نتائج غير متوقعة.

ومن بين الأمور الأخرى التي تزيد من المرارة في الحلقوم ضياع بوصلة الإعلام المصري في التعامل مع الحدث وتداعياته,وبداية لا شك في أن هناك أصواتا تعاملت مع الحدث بموضوعية ومنطقية وخاض الكثيرون من الخبراء والمختصين في الأسباب المحتملة والمؤكدة لضعف الإقبال وعزوف الناخبين عن الذهاب للجان الانتخابية واختيار نوابهم,وأغلب الظن أن كثيرا من تلك التحليلات جاءت متسقة في مقدماتها ونتائجها فيما قدمناه عن الانتخابات المصرية في مقال الأسبوع الماضي في هذا المكان.

ولكن المفاجأة الصادمة أن الجانب الأكبر من الإعلام المصري والإعلاميين الوطنيين راحوا يكيلون الاتهامات من كل جانب وعلى كل المستويات للحكومة المصرية تحملها مسؤولية ما حدث وكأنها ارتكبت جريمة كبرى,أضف إلى ذلك أنها كالت اتهامات مماثلة لعديد من السياسيين والشخصيات المسؤولة والأحزاب السياسية ونعتتها بأقذع الأوصاف,وتناسى هؤلاء الإعلاميون أن أي استحقاق انتخابي البطل الأول فيه هو الناخب أو المواطن الذي من أجل حاضره ومستقبله تنظم مثل هذه الانتخابات.

وانطلاقا من هذه الحقيقة فإنه مطلوب من المواطن أن يكون هو صاحب المبادرة في الذهاب إلى اللجان الانتخابية لإعطاء صوته بالكيفية التي يريدها حتى ولو أضطر إلى إبطال صوته,فهذا التصرف هو في حد ذاته موقف سياسي,فالمواطن هو المسؤول عن صنع حاضره ومستقبله السياسي أيا كانت الظروف المحيطة,وربما يمكن توجيه اللوم أو الانتقادات للحكومة لعدم تقديمها حلولا عملية للمشاكل اللوجستية كغياب أي تطور حقيقي للتصويت الإلكتروني والذي قد يكفل مشاركة أفضل وأوسع من جانب المجموعات الشبابية على وجه الخصوص,وكذلك عدم حل مشكلة المغتربين داخل المحافظات المصرية والمقدر عددهم بحوالي عشرة ملايين,وأصواتهم مؤثرة بكل تأكيد.

ربما كان مطلوبا من الدولة المصرية أدوارا كهذه لتسهيل عملية التصويت,إلا أنه يحسب لها في نهاية المطاف تلك الدرجة العالية من المكاشفة والشفافية التي جعلت الصورة واضحة أمام الداخل والخارج بدون تغيير أو تبديل أو تزييف,بل أن الدولة المصرية كانت سباقة في التعبير عن ضعف التصويت وعزوف الناخبين وخرجت النتائج بواقعية تؤكد أن نسبة التصويت لم تتجاوز 27%,في حين أن النسب الرسمية في عهود سابقة كانت تتحدث عن نسب مشاركة تصل حتى التسعين في المائة رغم أن نسب المشاركة الحقيقية لم تكن تتعدى الثلاثة في المائة.

ومن ضمن أسباب المرارة أيضا من ردود فعل وتعامل الإعلام المصري مع نتائج وتداعيات الجولة الأولى للانتخابات,مظاهر الصراخ والعويل والنواح وربما النحيب أيضا والتي تعاملت مع الحدث وكأنه كارثة قومية كبرى في محاولة لحشد الناخبين ودفعهم دفعا للنزول للدوائر الانتخابية مهددين المسجلين في الجداول الانتخابية بغرامة الخمسمائة جنيه في حالة عدم التصويت,بل وكانت هناك تهديدات من نوع آخر من بوابة التخويف من «الإخوان المسلمين» والتيارات المتشددة,والشماتة من جانبها في الدولة المصرية جراء هذا المشهد,وتناست تلك الوسائل أن حشد الناخبين وحثهم على الذهاب للتصويت لا يتم بالصراخ ولا بالتهديد ولا مهاجمة الحكومة,ولكن بالإقناع أولا.

فربما كان حديث العقل هو المطلوب لمواجهة ذلك المأزق,واحترام عقلية الناخبين وإرادتهم يمكن أن يلعب دورا في تغيير سلوكياتهم إلى الأفضل,ولو أن الفضائيات التي كالت الاتهامات لأطراف غير مسؤولة عما حدث أخذت على عاتقها منذ البداية تخصيص مساحات زمنية أكبر لشرح النظام الانتخابي الجديد وتقديم شروح وافية لقوائم وجداول المرشحين ودوائرهم وتوجهاتهم السياسية لربما كانت النتائج أفضل.

ولو أن الفضائيات نفسها تحملت بشكل أفضل مسؤولية ومهمة تحليل الظروف المحيطة بالعملية الانتخابية قبيل وخلال انطلاقها وصعوبة الفترة الانتقالية وكثرة الاستحقاقات الانتخابية,والإرهاق النفسي والبدني الذي يلاحق المواطن,وعدم وضوح الرؤية على المشهد السياسي والحزبي,وحداثة النظام الانتخابي وتعقيداته لانتهت بالفعل إلى نتيجة منطقية جدا تؤكد أن ما حدث في الجولة الأولى لم يكن مفاجأة على الإطلاق وأنه بالفعل لم يكن في الإمكان أفضل مما كان.